مؤسسة ومتحف محمود درويش
الشاعر الأعمال الكاملة
المتحف أنشطة وفعاليات الإعلام
ركن الهدايا
مؤسسة محمود درويش
اتصل بنا
En

القصيدة التي كتبها الشارع

 

وليد التليلي

9 أغسطس 2014

 

كنت صغيراً عندما التقيت محمود درويش أوّل مرة، كنت بدأت أحبو في عالم الصحافة المغري والغريب، وكان الزحام الإعلامي يمنعني وقتها من أن استوعب وجوده في أروقة السياسة.

كان مئات الصحافيين من كل أنحاء العالم قد حضروا إلى الجزائر لمتابعة "إعلان قيام الدولة الفلسطينية"، وكنت أرى هذا الجيش من الكاميرات والصحافيين الذين يتسابقون لمعرفة الأخبار بذلك الشكل الهيستيري لأول مرة في حياتي المهنية الصغيرة جداً في ذلك الحين.

التقيت درويش وقتها لأول مرة في حياتي ولم تكن تلك الكلمات القليلة التي تبادلتها معه كافية لتجيب عن سؤالي: ماذا يفعل الشاعر في أروقة الساسة؟ ولم أتجرأ على طرح السؤال صريحاً، فقد كانت قصائده بمثابة الحاجز التي تمنعك من الاقتحام. كنت أرقبه متأملاً، متململاً، صامتاً يسرع الخطى إلى اجتماع ما، في انتظار اللحظة الصفر: إعلان قيام الدولة الفلسطينية.. كانت أياماً من حلم هارب، الحكيم جورج حبش ونايف حواتمه وعرفات في لحظات العنفوان، وكنا محظوظين.

كانت القضية وقتها تحتاج إلى درويش، ولا تزال. وكان درويش أيضاً يحتاج إلى القضية، وما يزال.. وكان لا بد للشاعر - مطلقاً - أن يعبر أحياناً من زمن الفكرة إلى زمن الحياة، بما هي صراع يتنفس وشخوص تمشي على رجلين تطمح وتحلم وتحسب وتتنازل وتتحدى وتراوغ وتترفع وتتنكر وتعترف وتصالح وتناوئ.

يحتاجها الشاعر ليفهم.. لنفهم، وحين يرفض أن يعتنق الحياة تتجمد القصيدة ويتكلس معناها وتندثر جدواها في تغييرنا. لا تحتاج القضية كل الشعراء، تحتاج واحداً فقط يرفعها إلى مصاف الأسطورة فتجري فينا -بفعله - مجرى الدم.

ولنفهم درويش لا مناص من العودة إلى الشابي، نفس ما يجمع بين الشاعرين، درجة واحدة من الحساسية عندهما تحتاج لمن هو أفضل مني لتحليلها، ولكن لا أحد يمنعني من الاعتقاد بأن هذا سليل ذاك. قال أبو القاسم الشابي: "إذا الشعب يوماً أراد الحياة" وانتظر صدى قوله عشرات الأعوام في قصائد الشعراء من بني قومه، ولكن حين دب اليأس من "عجز يسند صدر البيت" انتفض الشارع يرد على الشاعر. قال الشاعر "إذا الشعب يوما أراد الحياة" فرد الشارع "الشعب يريد..".

ينصت الناس إلى شعرائهم، ينتبهون ويحفظون بالرغم من لا مبالاة في الظاهر، تتأخر إجاباتهم ربما، ربما تأخذهم تفاصيل الحياة ولكنهم - ولو على حين غفلة - يجيبون ويكتبون دائماً نصف القصيدة المتبقي، فلا ييأس الشعراء.

(تونس)

Close
تصميم وبرمجة انترتك - تصوير أسامة السلوادي
بدعم من : اللجنة الوطنية الفلسطينية للتربية والثقافة والعلوم