مؤسسة ومتحف محمود درويش
الشاعر الأعمال الكاملة
المتحف أنشطة وفعاليات الإعلام
ركن الهدايا
مؤسسة محمود درويش
اتصل بنا
En

بوح القرى ...

بوح القرى .. متحف محمود درويش على حديقة البروة في رام الله

 

 

 

سماء الفينيق: الأردن.. فلسطين(4)

كتابة وتصوير: مفلح العدوان - بجناحي طائر أسطوري أحلّق عاليا..
أحمل التحيات الطيبات، ونبض القلوب المحبة، ورسائل جبال عمان السبعة، وأنا أتجه بكل شوقي الى أرض فلسطين.
ها أنا أمضي إلى تلك الأرض الطيبة، وكلي حنين، غير أنه ستكون لي محطات قبل لحظة الوصول، فهناك إشارات لا بد من الاستدلال بها، ورسائل لا بد من حملها من أرضها، وتحميلها لكل تداعيات معانيها ومراميها.
سأتوقف فوق جبال السلط، هي دائما تحدّق بمحبة غربا، وتهدي السلام الى كل المرابطين هناك، تلوّح لـ»أهل البلاد»، وتزف اليهم ريحانها، ومعتق عشقها، منتظرة مرورهم بها، كما كان الحال «زمان أول».. يا لشجن الحنين الى ذاك الزمان.

 

امتطاء الطائر
أتابع التحليق..
فتستلبني الأسئلة: لماذا تتقمصني روح طائر الفينيق، في هذه الرحلة التي تمنيتها منذ سنوات طوال؟ لم أمتط صهوته براقا متخيلا، في تحليقي نحو معارج الروح المنتظرة هناك؟ ثم، ما سرّ هذا العشق الحقيقي لتلك البلاد؟ ولأهلها؟
سأهديء المسير قليلا، فوق الغور، لألقي السلام على أهلي في الشونة الجنوبية، وأرتاح ما تيسر من وقت، في تلك الربوع، بحثا عن إجابات، قبل أن أدخل في الحالة/التجربة/المغامرة/الرحلة/الحج/العبور/، وأنا في حالتي المشظاة بين روح الإنسي الذي سيسير نحو الأمكنة التي تتاح له، وبين تقمص/وامتطاء طائر الفينيق الذي سيدخلني الى المدن والدروب المغلقة بأقفال الاحتلال، غير أني لا بد من أن أطرق أبوابها، وألثم طرقاتها.

قبل الجسر بقليل
مهيبة هي المسيرة الآن..
والدرب الى المبتغى، ليس أقل أهمية من منارة المنتهى.. سأخفف الوطء قليلا.. سأقلب كثيرا من الأوراق، ومعها أنبش الذاكرة، والتاريخ، والجغرافية، قبل أن ألج الحالة القادمة، يجادلني طائر الفينيق أحيانا، وفي مرات أخرى أتحاور مع البشر والحجر في آن، وتارة سوف أطلب شفاعة الأبواب لتحكي لي الكثير عن الحاضرين، والغائبين، والمارين، والعابرين.. لن أستعجل الرحلة، فكلما طالت زاد شوقي، وفي الشوق دلالة عشق، وفي العشق تماهي الطالب بالمطلوب.. وهذا مقام الاكتفاء الذي ما بعده ارتواء!!

قبل الجسر بقليل..
الكل يريد أن يعبر الجسر، لكنهم ليسوا مثلي، أنا أريد أن أصله، وأوصله، وقبل مقام الوصل هذا، أتوق لأن أستحضر جسورا أخرى في الذاكرة، أتخيلها بذاكرة غيري، حينما كانت الأحوال غير ما هي عليه الآن.
قبل أن أصل الجسر، جسر الملك حسين، أجلس قليلا عند مقهى له في الذاكرة كثير من سواليف الأهل، أيام الخير، حين كانت الدروب متاحة الى أرض فلسطين.. أتبع بوصلة قلبي، قريبا من الشونة الجنوبية، أسير نحو الرامة، فأجد أطلال ما تبقى من «قهوة حنا».. أستريح قليلا هناك.

 

كل زهرة لها حكاية، وللشجر قصص، وللممرات ذاكرة، وللمساحات الخضراء موسيقى مغلفة بالشجن، هناك، حيث تماهيت مع تلك التفاصيل أول ما دخلت حديقة البروة التي تضم في حضنها ضريح الراحل الكبير، الشاعر محمود درويش.. وكأن للشاعر ديوانه المكتوب من نبض الريف الفلسطيني، بموازاة شعره الذي حاكى فيه فضاءات العالم الانساني أجمع.

 

«الحياة.. حتى آخر قطرة»
أصل متحف محمود درويش، في حديقة البروة، في رام الله، على تلة تطل على القدس.. أهيم في حضرة الغائب.. أقف أمام قبره، والصمت في هذا المقام صلاة، وتداعيات من وحي شعره ونثره وسيرته.. قلت سلام على تلك الروح الشفيفة النقية. قرفصت أمامه، وتلمست الرخام، فشعرت بدفء الترحيب، وكأن الشاعر يبتسم للقادمين اليه، كما الحجيج الى كعبة شعره، ونقاء روحه، وزمزم إبداعه، ونبيذ سرده.. كأنه يُذَكّر بتلك القصيدة من ديوان «أثر الفراشة»، عنوانها «الحياة.. حتى آخر قطرة».. كأنه يعيد قراءتها:
«وإن قيل لي ثانية: ستموت اليوم،
فماذا تفعل؟ لن أحتاج إلى مهلة للرد:
إذا غلبني الوَسَنُ نمتُ. وإذا كنتُ
ظمآن شربتُ. وإذا كنت أكتب، فقد
يعجبني ما أكتب وأتجاهل السؤال. وإذا
كنت أتناول طعام الغداء، أضفت إلى
شريحة اللحم المشويّة قليلا من الخردل
والفلفل. وإذا كنت أحلق، فقد أجرح
شحمة أذني. وإذا كنت أُقبِّل صديقتي،
التهمت شفتيها كحبة تين. وإذا كنت
أقرأ قفزت عن بعض الصفحات. وإذا
كنت أقشّر البصل ذرفتُ بعض الدموع.
وإذا كنت أمشي واصلت المشي بإيقاع
أبطأ. وإذا كنت موجودا، كما أنا الآن،
فلن أفكر بالعدم. وإذا لم أكن موجودا،
فلن يعنيني الأمر. وإذا كنت أستمع الى
موسيقى موزارت، اقتربت من حيّز
الملائكة. وإذا كنت نائما بقيت نائماً
وحالما وهائما بالغاردينيا. وإذا كنت
أضحكً اختصرت ضحكتي الى النصف احتراماً
للخبر. فماذا بوسعي أن أفعل؟ ماذا
بوسعي أن أفعل غير ذلك، حتى لو
كنت أشجع من أحمق، وأقوى من
هرقل؟».

متحف محمود درويش
تابعت دخولي مقام متحف محمود درويش..
استقبلني مدير المتحف الصديق سامح خضر، تجولت فيه؛ لوحات تناجي الغائب، بعض مقتنياته، مكتبه، قلمه، ونظارته، ركوة القهوة، وبعض أرواقه، والمكان عابق بروحه، وشعره، ومحبة العالم له.. تابعت.. ووقفت على إطلالة الموقع، لأشاهد من بعيد أمكنة لم أستطع الوصول اليها، هناك القدس.. وكانت أمسيتي في المتحف، وحضر أصدقاء لم أرهم منذ زمن بعيد؛ عانقت الدكتور ابراهيم أبو هشهش، وفرحت بصديقي الجميل الشاعر ماجد أبو غوش، وكان حاضرا المبدع المخرج ايهاب زاهدة الذي جاء من الخليل، وكان آخر لقاءاتنا في تونس خلال مهرجان قرطاج المسرحي السابق، وبحميمية أخوية التقيت الصديق أكرم الحمري، رفيق ذاكرة الجزائر قبل سنوات طويلة، جاء من بيت لحم، بعد طول غياب لنلتقي في أكناف محمود درويش، والتقيت غيرهم من الأصدقاء.. وكان الحوار دافئا كقلوب الأهل هناك.

مبدعان كبيران
كأن ظلال محمود في كل مكان في رام الله، إذ ليس صدفة أن يكون موقع اقامتي، وفندقي، أمام مركز خليل السكاكيني.. هناك، في فندق «بيوتي إن»، كان صاحبه الدمث الطيب المضياف «أبو أندريه»، غمرني بلطفه، مساء كل يوم صرت ألتقيه، وجلسنا عدة مرات، مرة منها حدثني عن محمود درويش، قال عندما تم اجتياح رام الله عام2002م، كنت أقوم ببناء هذا الفندق، وكنت في الوقت الذي يهرب الناس من هنا، أعمّر هذا المكان، أريد أن أبقى، وكان هناك عمال يعملون هنا، وحين يأتي جنود الاحتلال، كنا نختفي، أو نبتعد، ونوقف العمل.. مرة كنت أقف أمام هيكل البناء، وكان الجنود قريبا من المكان، وكنت حذرا، والعمال مختبئين، حين التقطت اذني صوت ارتطام ثمرة فاكهة قريبا مني، والتفت الى الجهة المقابلة، فكان محمود درويش الذي أشار لي أن الجنود قد ابتعدوا، واقتربت باتجاهه، وأشرت للعمال بمواصلة أشغالهم، بينما تمشيت معه قليلا..
هكذا يحضر درويش، نزر ذاكرة وحكاية عند كثير من أهل البلاد هناك.. مرّ عندي صديقي يوسف الشايب، ومضينا الى مركز خليل السكاكيني، مشياً، فالمسافة التي تفصلني عنه عدة أمتار، ودخلت المركز، وقفت عند بورتريه طولي لدرويش، ثم دخلت الى مكتبه، وجلست قليلا هناك في حضرة الشاعر، ثم تجولت داخل المركز الذي يحتوي في جنباته ذاكرة عظيمين، مبدعين، هما خليل السكاكيني (1878-1953)، ومحمود درويش، وكل واحد في زمن مختلف، لكنهما كان أثرهما عميقا ثقافيا وانسانيا.

 

خليل السكاكيني.. ونشيد الثورة
تنبض الذاكرة بمنهاج الدراسة الابتدائية، كنت ممن درسوا العربية من خلال كتاب خليل السكاكيني للصف الأول الابتدائي، والذي يبدأ بدرس كلمتي «راس.. روس»، وكانت الصورة تثري الكلمة، كان هذا أثره واضحا، هو الذي أسس في المناهج التربوية، وقد كان شاعرا، ومعلما، وسياسيا، ومفكرا.
أستعيد جوانب من تلك السيرة، أكثر، وأنا أتجول في مركز السكاكيني في رام الله، مما عاينته وقرأته، حين كانت زيارة لي، وكتابة، حول قرية أبو اللسن، جنوب الأردن، في محافظة معان.أعود بالزمن الىعام 1918م، حيث أن خليل السكاكيني سجن لدى العثمانيين، وكانت اقامته الاجبارية في دمشق، ثم هرب هو ومجموعة من الشباب الأحرار، للالتحاق بجيوش الثورة العربية الكبرى، وقدمروا في طريقهم على قرية القريا في جبل العرب، وتابعوا مسيرهم الى جنوب الأردن، الى قرية أبو اللسن، وكان هناك الأمير فيصل بن الحسين قائد جيوش الثورة العربية الكبرى، وكتب هناك نشيدا وطنيا، صار نشيد الثورة العربية الكبرى.. يا الله، كيف يكون للتاريخ طعم مختلف، عندما يأتي هذا الربط الوجداني، عفو الخاطر، بعد عشرات السنين، على هذا النحو، ها أنا في رام الله، وفي حضرة الكبيرين (السكاكيني، ودرويش)، وأستعيد النشيد الذي كتبه السكاكيني، في ذاك الوقت:

أيها المولى العظيم فخر كل العرب
ملك الملك الفخيم ملك جدك النبي
نحو هذا الملك سيروا قبل فوت الزمن
وعلى الخصم أغيروا لخلاص الوطن»

تداعيات كثيرة حملتها زيارتي لمركز السكاكيني، وأعادتني الى مرحلة عاشها، وقصة حياته، وتفاصيل نضاله، وانسانيته العالية، ومواقفه الوطنية، كل هذا كنت أتلمسه، حتى وأنا أقف تحت شجرة التين العتيقة التي ما زالت صامدة أمام الدرج المفضي الى بورتريه درويش، ومكتبه.

زيارة «الأيام»
لم يكن لي برنامج محدد في رام الله، كنت اريد أن أعرف كل ما استطيع عنها خلال أيامي المعدودة فيها، وأريد أن التقي الأصدقاء، ما استطعت اليهم سبيلا، وكانت وجهتي القادمة هي جريدة الأيام، لي فيها أصدقاء أحبهم، وأيضا، أنا ممن يداوم على قراءة هذه الصحيفة، فكانت محطتي التي أحب، حيث كان لقاء الأستاذ أكرم هنيه، رئيس التحرير، سريعا عند بوابة الجريدة، ولكن فنجان القهوة كان عامرا بالمحبة والذكريات الطيبة مع الصديق الشاعر غسان زقطان، وبحضور الروائي الجميل أكرم مسلم، والصحفي الصديق يوسف الشايب، أخذتنا الأحاديث نحو مساحات كثيرة، وأصدقاء مشتركين، وصلنا الى قرية الكرامة في غور الأردن، حيث كان لغسان زقطان ذاكرة هناك، وكنت قد زرتها، وكتبت عن سيرة تفاصيلها المعتقة، والناس الذي عمروها، وعايشوها.. مضى الوقت سريعا في جريدة الأيام قبل أن أخرج من هناك، ويتابع الأصدقاء عملهم الذي ينتظرهم.

«المقاطعة».. أمام الضريح
خرجت من «الأيام»، منتشيا بمحبة الأصدقاء هناك..
وفي وقت آخر، توجهت الى «المقاطعة»، كنت أعود حين وصلت هناك الى فترة كان فيها المرحوم الرئيس ياسر عرفات محاصر هناك،نهاية عام2001م، حين تحرك آليات العدو ودباباته وجنوده، بأمر من شارون، الى مقر الرئاسة الفلسطينية، لمنع أبو عمار من الخروج الى المدن الأخرى، ومنعه ايضا من حضور احتفالات عيد الميلاد في بيت لحم، ثم في 28 آذار 2002م، اجتاحت القوات الاسرائيلية كل رام الله، واحتلت المقاطعة، وحاصرت ابو عمار فيها، وقطعت عنه الكهرباء والماء .. ما تزال في الذاكرة تلك الصور التي تناقلتها الفضائيات، وصوته ردا على ما حدث: «اسرائيل تريدني سجينا أو قتيلا أو أسيرا. أقول لهم: لا، سأكون شهيداً، شهيداً، شهيداً..».
أقف أمام الضريح.. حكاية نضال أسطوري تسكن هذه المساحة أمامي.. أقرأ الفاتحة على روح الشهيد المرحوم الرئيس ياسر عرفات، وأتابع مسيري نحو أمكنة أخرى في رام الله، تلك الفضاءات التي تعيدني أمام كل طيف منها الى ذاكرة مختزنة، أو تاريخ مكتوب، أو حنين معتق، سأمر على «رام الله التحتا»؛عبق المدينة القديمة هناك، تفاصيلها، وبيوت تحمل رائحة المعتق من الذاكرة، ثم أستريح قليلا في «المغارة»؛ مكان أليف دافىء، فيه جمع الندمان من الأصدقاء، والمثقفين، وموسيقى، ووجه «شادي زقطان» الدافىء، وروحه الجميلة تطغى على المكان.. كم أنت حميمية يا ليالي رام الله.. الله ما أجملك.
 

Close
تصميم وبرمجة انترتك - تصوير أسامة السلوادي
بدعم من : اللجنة الوطنية الفلسطينية للتربية والثقافة والعلوم