مؤسسة ومتحف محمود درويش
الشاعر الأعمال الكاملة
المتحف أنشطة وفعاليات الإعلام
ركن الهدايا
مؤسسة محمود درويش
اتصل بنا
En
حوارات »  

رحيل أطول نحو الأمل
باريس – رلى الزين
 
هذا الحوار مع محمود درويش مفتاح لقول الشعر والقول فلسطين الان، فالشاعر ايقاع وطنه، خصوصاً إذا الوطن يعني عدالة وضمير، ومعياراً لمستقبل المنطقة العربية المختبئ وراء ستائر الاسئلة.
محمود درويش في باريس هذه الايام، يحضر كزهرة متألقة في ربيع للثقافة الفلسطينية نظمته عاصمة الانوار وسائر مدن فرنسا الرئيسية، احتفاء بثقافة فلسطين وتجديد اعتراف بها. في " اوبرا باستيل" تقلد درويش وسام الفنون والآداب الفرنسي من رتبة كوماندور، وفي غير مكان حضر مثقفون فلسطينيون عبر اشخاصهم ومؤلفاتهم فالتقوا الجمهور الفرنسي الفرنسي والتقاهم.
 محمود درويش الآن التقيته في فندق "لوتيسيا" الباريسي على رغم مشاغله الكثيرة وتعبه. وداهمني القلق من سعة بهو الفندق وكثرة الضجيج . فخفت أن لا تلتقط آلة التسجيل (القديمة نسبيا) حديث الشاعر بسبب أصداء الأصوات الخلفية .... ورحت اتنقل بين الصالة الكبرى و"بار" الفندق الخالي في الصباح لأقرر أي زاوية أفضل للكلام، وهو الشاعر ينتظر قراري بصبر وبابتسامة غير ظاهرة لانشغالي بتفاصيل المكان.
والحوار مع محمود درويش دار في جوانب اللحظة المتأزمة التي يصر الشاعر على انها آيلة إلى التفاؤل، على رغم تصويره الدقيق حال فلسطين اليوم كجزر سكانية محاصرة. تحدث عن تجربة بيروت وعن مرحلة باريس، وعن تطور صورة الفلسطيني أمام نفسه والعرب والعالم، وعن صعوبة قبول المجتمع الإسرائيلي بالسلام.
ولابد من سؤال عن حال الشعر العربي اليوم: الشعر الفلسطيني الحاضر في الحرب كما في السلام. فليس وعد السلام إعلاناً لوفاته كما روج البعض واهماً. وناقش محمود درويش السياسة والشعر وما خلف التساؤلات المتواترة حول علاقتهما. ودخل عميقاً في عملية القول الشعري.
ومن باريس المحتفية بالثقافة الفلسطينية وبمحمود درويش، كلامه الآن الشعري والحضاري، وهنا حلقة أولى تليها غداً حلقة ثانية.
 
 أنت اليوم بين عمان ورام الله، على مرمى حجر من حيفا. وبالأمس في باريس وقبله في نيقوسيا وبيروت والقاهرة إثر خروجك من حيفا. هل تعتقد أن الدائرة في سفرك ستكتمل يوما من الايام؟
 لا أعرف ما معنى اكتمال الدائرة. إن كان كل مهاجر يرغب في الإكتمال النسبي لهذه الدائرة على مستوى شعوره الإنساني والنفسي. وإذا هذا هو معنى سؤالك فلا يبدو أن هذا الاحتمال قريب الآن بسبب تعقيدات وتفاقم الوضع العام .أما إذا كان السؤال يمس الجانب الشعري فإن اكتمال الدائرة مستحيل لأن في هذا الاحتمال خطر اختزال مسيرة أي شاعر بهجرة وعودة وبعد ذلك يكون الفراغ الفراغ التعبيري الفراغ الإبداعي..
وأنا من الذين لا يرغبون في أن يختزلوا بهذه الطريقة. أُفضل أن يكون خط النمو تصاعديا وليس دائريا، وفيّ من تعقيدات الرحيل ما يجعل العودة اللغوية مؤجلة الى مدى بعيد. فيّ من المنفى ما يجعل الدافع الجمالي والفني للمنفى في العودة وإمكانية تحققها وبين إختزال خط سير بين هجرة وعودة، هذا التوتر ما زال عاليا وما زال يجعل السؤال الى حد ما افتراضياً و متسرعاً.
 
يعود المرء الى المكان المنشود (يصبح غالبا مثاليا في الخيال) ليكتشف أن الأوضاع اختلفت وأشياء كثيرة تحولت فيشعر بغربة جديدة كأن المنفى أصبح داخل الوطن .
عدت اليوم إلى جزء صغير منه، فكيف تشعر في رام الله ؟
 لا أحد يعود إلى ما كان. لا أحد يجد نفسه. وبالتالي لا عودة حقيقية بأي مستوى من المستويات. ما نحياه ملتبس الدلالات، لا هو عودة ولا هو زيارة ولا هو إقامة. وشروط كل هذه الأسماء محاصرة بإحتلال ملموس وربما أشد قسوة الآن. الاحتلال تحول من احتلال كامل الأرض إلى نوع من الحصار لأجزاء من الأرض غير مترابطة وغير متصلة ببعضها البعض. أي إن وجودنا الإنساني هناك يشبه وجود كائنات في داخل أقفاص وبالتالي الإحساس بالاحتلال وبالحصار يتأزم أكثر وأكثر لذلك من السابق لأوانه تماما الإحتفاء بالعودة أو حتى استخدام هذا التعبير.
 
لا اعتبر وجودك في رام الله عودة نهائية . ولكن ربما هناك جزء كنت تعرفه؟
خصوصية وضعي أنني لا أعرف هذه الأرض. لا أعرف الضفة الغربية ولا غزة، وأعتبر وجودي فيها شكلا من أشكال التعبير عن الواجب الوطني والواجب الثقافي أيضا. لم أخف ولا يجب أن أخفي الصدمة. الأرض الفلسطينية جميلة بقوامها الجغرافي الموحد. أما تقطيعها إلى جزئيات صغيرة فيحرم حتى المشهد الطبيعي من اكتمال جماليته. أمضيت الربيع هناك. والربيع جميل جداً ولكن منقطع الإيقاع لأنه يوجد حاجز بين الحواجز وتقسيم المناطق إلى "أ، وب، وج". حتى الفرح الانساني بجماليات المكان دائما يذكره الاحتلال بأنه فرح ناقص. ويصعب للعين حتى الجمالية أن تواصل تحديقها في جماليات معزولة عن أوضاع خارج عن الجماليات. قلبي حائر وليس فكري فقط. وما زال الطريق نحو التأمل في المكان، إلى حد ما بعيداً.
 
وضعك ملتبس على كل حال. تمضي شهرين في عمان وشهراً في رام الله. فكيف تستطيع أن تحقق وحدة في حياتك؟
 هذا سؤال مهم. أنا أحقق الوحدة في حياتي الداخلية بطريقة مجازية. أحققها عن طريق عملي وشغلي في اللغة. أحقق نوعاً من التوازن بين ماضٍ يبتعد وحاضرٍ يهرب ومستقبل غامض. سؤالك يذكرني بأنني لم أنتبه كثيرا إلى نفسي. كيف أحقق هذه الوحدة؟ قد أحاول الطيران بجناحين مكسورين ولكن الجناحين ثقيلان. ونحن في لحظة تاريخية ليست لها سابقة وغير خاضعة حتى لأدوات الحكم، لا السياسية ولا الثقافية. ولكن، هذا هو واقعنا هذه هي حياتي. وقد يكون الخيار أفضل من الاحتفاظ بمسافة طويلة والإكتفاء بالقول أن هذا الوضع لا يعجبني وبالتالي لا أقترب منه. ضميري لم يحتمل أن أجري التطابق بين موقفي الفكري والسياسي وبين سلوكي. قد أحتفظ بفهمي دون أن أقاطع مجتمعي سلوكيا. أشعر أن التصاقي بمجتمعي، إصغائي إلى أسئلته يحقق توازنا في داخلي أكثر من التوازن الذي يحققه الانفصال عن هذا الواقع وعن هذا المجتمع بحجة 
أن الإطار السياسي لهذا الحل لا يعجبني فقد أكون متحفظاً على الحل وأمارس نشاطات مع مجتمعي دون أن يكون في ذلك تناقض يؤزمه الابتعاد الكامل.
 
إذاً، أليس هناك موقف سياسي؟
 الموقف السياسي معروف. ولكن أنا لست سياسياً بمعنى أني مطالب دائماً بتقديم تعليقات أو ملاحظات أو أجوبة على الأسئلة التي يطرحها الواقع كل لحظة. لست منتمياً إلى حزب ولا إلى تنظيم ولست مهووسا بإعلان المواقف واتخاذ المواقف. وأعتقد أن الالحاح في تذكير الانسان بمواقفه والقول أنه على حق يعكس إلى حد ما مرضا نفسيا. يجب أن انطلق إلى عمل آخر يجب أن أطور علاقتي بمجتمعي بواقعي أن أطور شكل التعبير الادبي عن هذه العلاقة. يجب أن أقوم ببعض الواجبات الوطنية على المستوى الثقافي دون أن اختار الاستمرار في تقديم نص خطاب للعلن عن تبرئة ذمة. لا أظن أن هذا الموقف يليق لا بالمستوى الابداعي ولا بالمستوى الثقافي أيضاً. وإلا سيؤدي بي إلى الانسلاخ الكامل وهذا ما لا أرغب فيه. وهذا ما يكسر محاولة تحقيق وحدتي الداخلية. فأنا على المستوى الضميري مرتاح أكثر رغم أن هذه الراحة ترافقها صعوبات عملية كثيرة.
 في كل مرة أقطع فيها "جسر اللنبي"، أتعرض إلى سلوك سادي من الأمن الإسرائيلي. دائماً يوقفونني على الأقل ساعة، بحجة أن اسمي على الكمبيوتر وأنا ممنوع من الدخول. هذه القصة لم تعد تضجرني. بالعكس أنا دائماً أسأل رجل الأمن: ألم تسأموا من هذه اللعبة؟ لكنهم مدربون على أن يواصلوا الإزعاج والقلق ومحاولة الإهانة. وقلت مرة لضابط إسرائيلي: ليست المشكلة أنكم لا تعرفون كيف تديرون سلاماً مع الأخر المشكلة غير قابلة للحل في أنكم أنتم عاجزون عن إقامة سلام بينكم وبين أنفسكم وبالتالي، أواجه السادية الإسرائيلية بسخرية وهي أحسن دفاع.
 
ولكن بأي بطاقة تدخل رام الله ؟
 رسمياً، أحمل بطاقة هوية فلسطينية وجواز سفر فلسطينياً، ولذلك من حقي أن أدخل ولكن مراكز الدخول في مناطق الحكم الذاتي ما زالت خاضعة للسيادة الإسرائيلية وعمل الموظف الفلسطيني هو أن يحمل جوازي ويقدمه للإسرائيلي. والذي يقرر دخولي أو عدم دخولي عرقلتي أو عدم عرقلتي هو الإسرائيلي.
 
الاثنان واقفان عند هذه المراكز؟
 الفلسطيني هو مجرد وسيط. أولاً حضوره رمزي أكثر منه عملي. وثانياً أنه وسيط بين المسافر وبين صاحب القرار أي الإسرائيلي. وبالتالي يتمتع الإسرائيليون بالتنكيل من كل فرد ويتصرفون وكأن هذا السلام الذي أقاموه ليس سلاماً مع كامل الفلسطينيين بل هو سلام مع أفراد، هم يقررون أن تكون الآن لحظة سلام معهم أم لا.
لا يمكنهم الرفض النهائي النهائي، ولكن في امكانهم إيقافي على مدى ساعات. مرة قيل لي بأنني لا أستطيع الدخول لأن الاستخبارات تريد أن تجري معي تحقيقاً. وإذا اشترطوا هذا الشرط مثلا، قد أبقى نظرياً ساعات وأياماً هناك على الجسر ما دمت أرفض هذا الطلب يجب أن يكون معروفاً بأن السيادة على المداخل والمخارج ما زالت تحت السلطة الاسرائيلية. العلم الإسرائيلي أول ما يستقبلك على الجسر، وبعده يأتي العلم الفلسطيني، من جهة أخرى عندما أدخل رام الله أنا لا أستطيع أن أذهب إلى غزة لأنه لا توجد منطقة اتصال حرة تحت السيادة الفلسطينية تربط غزة برام الله. وأنا في حاجة إلى تصريح من السلطة الإسرائيلية لكي أستعمل الشارع الاسرائيلي للوصول إلى غزة. ومرة وصلت الى حاجز ايريز وأعدت من هناك فسألت الضابط: كيف الوصول إلى غزة اذا؟ قال عليك أن تعود إلى رام الله إن سمحنا بذلك لأنك ارتكبت مخالفة ومن رام الله تعبر الجسر إلى عمان ومن عمان تأخذ الطائرة إلى القاهرة ومن القاهرة تأخذ أي وسيلة مواصلات وتقطع صحراء سيناء، ثم تدخل غزة. وعندها سألته: وكيف أعود إلى رام الله؟ أجاب: تعود بنفس الطريق، ولكن بالإتجاه المعاكس.
 
وبالتالي ليس لك أي مجال متاح للدخول الى القدس؟
 ليس هناك أي مجال. كانوا كرماء كثيراً عندما أعطوني منذ بضعة أشهر تصريحاً للدخول إلى القدس فقط لمدة اربع ساعات من أجل زيارة صديقي عزمي بشارة الذي كان أجرى عملية جراحية في مستشفى في القدس. أعطوني تصريحاً بفضل واسطة طبعاً وليس بسهولة ودخلت لأربع ساعات. إنهم مهووسون بفكرة تذكيرنا بأنهم أصحاب السيادة.
 
كنت تحلم بالإقامة على سفح جبل الكرمل وكنت تتمنى مواصلة إصدار مجلة "الكرمل" من هناك. هل أنت سعيد لإصدارها من رام الله برغم الواقع الغير طبيعي؟
 كنت ولا زلت أحلم بأن تعود الكرمل إلى مكان اسمها ولكن هذا مستحيل لذلك هي تطل على اسمها من مكان أقرب من قبرص. كانت تطل على اسمها أولاً من بيروت ثم ابتعدت وأصبحت تطل على اسمها من قبرص والآن تطل على اسمها من رام الله. لا أعرف أي مسافة أبعد: بين رام الله وحيفا أم بين بيروت وحيفا أم بين قبرص وحيفا. أي مسافة سياسية أبعد؟ لا أعرف. جغرافياً، المسافة بين رام الله وبين حيفا أقرب ولكن المخزون السياسي لهذه المسافة قد يكون أبعد لا أستطيع أن أعلق.
عمليا قد يكون اصعب؟
 ربما قد يكون عملياً أصعب، أبعد. كل المصطلحات كلها نسبية ورمزية. إذا ثبت هذا الحل أو ثبت المفهوم الإسرائيلي للسلام فهذا يجعل المسافة بين رام الله و حيفا أبعد.
 
ماذا تعمل اذا حصل ذلك ؟
 أواصل التعامل مع الواقع الموجود. لا يستطيع الانسان أن يخرج من ضرورة التعامل مع الواقع الموضوعي كما هو. مع محاولة التحسين طبعاً
تنقلت كثيراً. عشت عشر سنوات في حيفا وعشراً في بيروت وعشراً في باريس. في نهاية الأمر عم يبحث الانسان في تنقلاته؟ عن ماضيه أم عن مستقبله؟
هذا سؤال أقرب إلى التأملات الفلسفية. مشكلتنا أننا نحن بسبب صلابة المحاججة التي يصوغها الآخر نجد أنفسنا نبحث عن مستقبلنا في حاجة إلى البرهنة على شرعية ماضينا. ليست هناك محاولة امتلاك أو استحواذ الآخر على مستقبلنا بل يرافق هذه العملية أيضاً استحواذ على ماضينا. من هنا البحث عن حق الوجود في الحاضر والمستقبل مرتبط أيضا بالدفاع عن شرعيتنا في الماضي وأن نمتلك حريتنا في رواية ماضينا بأنفسنا وبلساننا وليس كما يفرضها علينا الآخر. إذا العملية متعددة الأبعاد وهذا يعطيها توتراً وصعوبة وهذا هو أحد أشكال صعوبة مصير الفلسطيني ففي بحثه عن مستقبله يجب أن يبرهن على حقه في ماضيه وفي روايته والتعبير عنه وبأنه لم يكن محتلاً أرض فلسطين وأن وجوده كان وجودا شرعيا لأن الفهم الإسرائيلي للتاريخ هو أن تاريخ فلسطين كان عاطلا عن العمل طيلة ثلاث الاف سنة. هم لم يرونا ولم يروا حركة التاريخ أثناء كل هذه السنوات وبالتالي فنحن اذا مجرد غزاة إن قبلنا مفهوم العودة الذي يطبقونه  على حركة مشروعهم في فلسطين وهو مشروع كولونيالي يسمونه عودة. عودة إلى أين؟
عودة إلى تحرير هذا الماضي من وجود الآخر الذي هو نحن في هذه الحالة. العملية معقدة للغاية فالكاتب الفلسطيني أو الشاعر الفلسطيني يحتاج إلى البحث في الاركيولوجيا والميتولوجيا وعلم التاريخ وعلم النباتات....
القصيدة الفلسطينية يجب أن تبحث، أن تقوم بمهام المؤسسات للبرهنة عن شرعية تعبيرها وعن شرعية جماليتها أيضاً. هذا يعطي طبعاً خصوصية ما. وأظن إن الخصوصية الرئيسية في الأدب الفلسطيني أن عليه أن يقوم بحفريات وبقراءة تاريخه وبقراءة الماضي وامتلاك الماضي لكي يكون للكلام فضاء حر غير مسير عليه.
 
عندما غادرت بيروت كتبت عنها نصوصا جميلة جدا .ماذا مثلت بيروت بالنسبة اليك؟
 بيروت ملتبسة في مكانتها النفسية في داخلي. أجمل شيء في بيروت أنها كانت منبراً للتعددية وهامشاً للغة الديمقراطية في العالم العربي. وبسبب هذه الأثقال على فهم بيروت بهذه الطريقة تعرضت بيروت لما تعرضت له من تدمير وسلوك غير اللبنانيين تجاه بيروت سلوك ينسيهم أنهم لبسوا مواطنين. وكل عربي عاش في بيروت تصرف بأن له حق امتلاكها ثقافيا.
 
ولكن بيروت سمحت له بذلك؟
 لا يسمح لي بعد الآن أن أعطي أي ملاحظة سلبية على بيروت بسبب استنفار البعض للعصبيات الآن، خصوصا في وسط بعض المثقفين الذين ينظرون للأسف لوجودي في بيروت كوجود الاحتلال ويشكل اسمي عند بعضهم استفزازاً بشكل عنصري. لذلك دور بيروت في أنها سمحت لأمثالي أن يشعروا بأن لهم حق امتلاكها جماليا وثقافيا ولغويا وهذا جعل الوقت في العلاقة مع بيروت طويلاً جداً. أحياناً نسينا أننا سنخرج من بيروت وأن علينا أن نخرج من بيروت. هناك تحققت انجازات سياسية فلسطينية كبيرة. ومن موقع وجود منظمة التحرير في بيروت اكتسبت شرعية رافقتها: اعتراف عالمي بها، وضعها الديبلوماسي تطور كثيراً. ووضعها الاعلامي والثقافي أيضاً. أصبحت طرفاً معترفاً به من خلال وجودها في بيروت. وبالتالي هذه الانجازات جعلت الإحساس بالمؤقت مفتوحاً على مؤقت طويل لا نهاية مرئية له. طبعاً هذا خطأ. وأكثر من ذلك قد يكون تحول فلسطين إلى عاصمة للسياسة الفلسطينية خلق إتكالية لدى الكثير من الفلسطينيين بأن هناك مؤسسات تناضل وتقوم بالنيابة عنهم بتقديم وتحقيق المشروع الفلسطيني. لذلك قد بالغت ربما أو قد جرحت البعض عندما قلت أن الانتفاضة مدينة للسيد شارون بأنها أخرجت المنظمة من بيروت أي أن خروج المنظمة من بيروت عجّل في اندلاع الانتفاضة. والإحباط الذي أصاب الفلسطينيين جعلهم يبحثون عن قواهم الذاتية وعن وسائل نضالية من داخل الأرض. أي أن الموضوع الفلسطيني انتقل من بيروت إلى أرض الموضوع إلى أرض فلسطين وهذا أحد انجازات الخروج الفلسطيني من بيروت.

كانت مريحة للفلسطيني؟
 كان عنده حرية التعبير وحرية ممارسة الفوضى وحرية الخطأ. ربما قد خلقت كسلاً ما في النفسية الفلسطينية الرسمية، ربما.
 
وباريس بالنسبة اليك ماذا شكلت الاقامة الطويلة فيها ؟
 باريس من اهم المحطات التي اثرت ايجابا على شعري .بأي معنى ؟
بمعنى انه للمرة الأولى تتاح لي فرصة تحقيق مسافة تسمح لي بالتأمل ،ليس فقط في الواقع الوطني ولكن في علاقة هذا الواقع بمستويات كونية أوسع. و أهم من ذلك، سمحت لي للتعبير الشعري بأن يتأمل أكثر بأن يربط النسبي بما هو مطلق بأن يربط الواقعي بالسطوري، أن يربط الأسطوري بالخيالي أي سمحت لي بأن أدخل في انسانية قصيدتي مناطق أكثر سعة ورحابة وأكثر شجناً. وهذا بسبب المناخ، مناخ التعرف على الثقافات العالمية المتعايشة في باريس الذي عمق عندي الاحساس بتخفيف حدة المنفى، أي أدخل المنفى في حوار المنفيين في العالم، في ثقافة منفيين عالميين وبالتالي لم يعد المصير شخصيا. وهذا يخفف من حدة التأزم الشخصي ويفتح على النص الشعري أسئلة عن هجرة البشر كلهم وعن الضياع الانساني. يلتقط المنفى قيمته الجمالية ويحتل مكانة في جماليات الأدب نفسه. هذا طبعا مع الإطلال البعيد على واقع يتحول في النص الادبي إلى عناصر تعرف كيف تخفي وجهها. وبالتالي يكون حضور الواقع أو التعبير عن الواقع قد انتقل إلى مجاله الحيوي الحقيقي، وهو أن الشعر يبحث عن الشعر. لذلك يحدث توازن بين محلية القصيدة، تربتها الأولى وبين فضائها الانساني. أي أنني وجدت سماء واسعة في هذه الإقامة التي سمحت لي أيضا أن أحدق في ذاتي بسبب أني لست جزءاً من جماعة هنا. فالذات فيّ أو الفرد فيّ أوجد غرفة للإصغاء إلى أسئلته وإلى حواره مع ذاته وخفف من حدة وطأة الاحساس بالتاريخ الخاص. ما دام التاريخ يعامل بهذه الطريقة فيصبح الصوت أعمق وأكثر خفوتا. والشعر لا يتحمل الصراخ. تعلمت أن الشعر لا يتحمل الصراخ وأن ما أستطيع أن أقوله نثراً يجب ألا أقوله شعراً بهذا التأمل ازداد تمييزي ما بين حدود النثر وحدود الشعر وبالتالي أنا أعتبر هذه المرحلة من أخصب المراحل لأنها أعادتني إلى نفسي ووضعت عناصر القصيدة في بنيتها المناسبة.
لكنك شعرت بأنه يجب مغادرتها لأنه حدثت تطورات أخطر من أن أواصل الإصغاء إلى نفسي كشاعر فقط. لا شاعر بلا اتصال. الشاعر الغريب في مكان غريب يحسن التحليق في مرآته الداخلية ولكن دائما مرجعية هذا التحليق هي واقع ما.
 حدث على أرض لغتي تطور تاريخي كبير. حاولت أن أنجو من الانخراط فيه، لكن نداءاتي الأخلاقية أرغمتني على أن أذهب هناك لأرى كم أن التاريخ أحياناً عشوائي وأحياناً ساخر ولكن ولا مرة التاريخ يكون عادلاً.
ذهبت لأرى كيف يعمل التاريخ. فكرت أن التاريخ له قيمة أكبر واكتشفت أن التاريخ ليست له تلك المهابة. عندما نراه يعمل في حقله عندما نذهب إليه. ليست عنده مهابة عندما يعبر عن نفسه مكتوباً. نحن نعيش في أيام ستكون مثيرة جدا للقراءة عندما تقرأها أجيال قادمة ولكن نحن نراها بطريقة ركيكة إلى حد أنها لا تستحق الكتابة.
 
وبالتالي انت لا تكتب عن باريس.
 لا أكتب عنها. لذلك، استطراداً لسؤالك السابق عندما رأيت محاولة إجراء القطيعة في الزمن بعد 1993 أو بعد 1990. أي من حرب الخليج، بدأت محاولة إجراء قطيعة في حلقات الزمن. ذهبت لترميم تاريخي الشخصي من خلال عودة إلى ماضيّ وإلى طفولتي. فكتبت ما يشبه سيرتي الذاتية وهو "لماذا تركت الحصان وحيداً؟". هكذا كان ردي على عنف الحاضر وعبثيته وركاكته. فذهبت احتميت في منطقة أملكها ولا يستطيع أحد أن يشاطرني إياها أو يحتلها أو يخضعها لمفاوضات. وكان يرافق هذه النجاة الجمالية نوع من الخلاص الجمالي رغبة شرعية لدى أي شاعر فكل شاعر مطالب بأن يكتب سفر تكوينه الخاص أي كتابة أول الأرض وأول اللغة وأول الوعي وأول المعرفة وأول التاريخ. هذا كان الوعي المرافق لمحاولتي كتابة سيرتي الذاتية شعراً. شعرت أنهم سرقوا الحاضر وكنت أخشى أن أقول أنهم سرقوا لغتنا ايضاً. عندما استمعت إلى خطاب اسحق ربين في واشنطن، آلمني كثيراً أنه سرق اللغة الفلسطينية. خطابه كان يجب أن يكون خطاباً فلسطينياً لأنه تكلّم عن حيرة الجندي، تكلم عن زملائه الشهداء تكلم عن شرعية علاقته بالأرض بلغة جمالية. كنت أعتقد أن اللغة الفلسطينية كانت تحاول أن تكسر السيف على ذلك المنبر، على منبر التعبير عن الضحية فكان رابين هو الذي تقمص شخصية الضحية ولذلك هذا جعلني أقول أنني أخشى أنهم سيسرقون أيضاً لغتنا. وبالتالي ذهبت للدفاع عن ماضي ولغته وعن لغتي أي لغة الضحية.
 
كيف ترى مستقبلك؟
 على رغم كل الالام التي نقرأ فيها راهننا وواقعنا، إلا أن هناك شيئا يحيي الأمل. يجب ألا نقرأ التاريخ متقطعا.هذه اللحظة الراهنة المكسورة يجب أن نضعها في سياقها التاريخي. عندما ننظر إلى الوراء، صحيح أن الحلم الفلسطيني كان أوسع وصحيح أن اللغة الفلسطينية كانت لغة تبشيرية رسولية إنها لغة المضطهدين الذين لا يرون الحل قريباً، خلف الباب. كانت لغة مفتوحة على رحيل أطول، ومفتوحة أيضاً على مشروع عربي وإنساني أكثر ثباتاً. مع ذلك حقق الفلسطينيون شيئاً وهو الذي يعطينا الأمل أنهم تجاوزوا خطر الإبادة الجسدية والثقافية والسياسية وأن هناك واقعاً فلسطيني، هناك حقيقة فلسطينية كانت مغيبة في وعي الآخر الإسرائيلي وكانت مشوّهة في وعي الآخر الغربي. صورة الفلسطيني تنقلت من لاجىء إلى إرهابي إلى منتفض         مسالم إلى مفاوض مدافع عن خطاب بمبادئ وليس عن سلام بأي ثمن. هذه الحقيقة ستكون شديدة التأثير في تعامل المجتمع الإسرائيلي مع الحقيقة الفلسطينية لأن المجتمع الإسرائيلي لم يبلغ سن الفطام أي لم تخرج عقليته ونفسيته من حالة الحرب إلى حالة سلام. لم يهيأ لها ولكن ها هو الآن متعايش يشكل صراع طبعاً مع حقيقة فلسطينية يعترف بها العالم رسميا بكل صعوباتها وبكل جوانبها السلبية هذا يجعل الذهاب إلى فلسطين ذهاباً من الأسطورة إلى الواقع. قد تكون الأسطورة أكثر جمالية شعرياً. قد تكون فلسطين المتخيلة أكثر طاعة لخيالي ولغتي من فلسطين الواقع، لكن مصير الشعوب ليس خاضعاً للشروط الشعرية والجمالية. بالتالي أنا أعتقد أن هذا الواقع الفلسطيني مهما حوصر ومهما تضيق أفاقه سيمتلك ديناميكية ناتجة ليس فقط عن ارادات ولا عن مشاريع بل عن قوة الأشياء ذاتها. نحن في حالة نستند فيها إلى إرادة وروح قدرية أيضاً. شيء كهبوب كسقوط الأمطار. هذا البعد الميتافيزيقي شديد الأحكام بيد الإسرائيليين ولكن التغيرات التاريخية التي حصلت لن تبقي الوضع جامداً وإلا ستكون هناك كارثة. خيالي السياسي لا يستطيع أن يجد حلاً آنياً، ولكن معرفتي بمن أنا بهويتي الوطنية بهويتي الحضارية التي هي هوية عربية، باقتناعي المطلق بأن هذه القارة العربية بحضارتها الواحدة وثقافتها الواحدة ولغتها الواحدة وذاكرتها الواحدة لن تسقط أمام أبواب القلعة الإسرائيلية التي ستنفتح على التعامل مع الاخر. الإسرائيليون يستمدون قوتهم أو خوفهم من السلام لأنهم يخشون أن يفتحوا باب القلعة. بالتالي إذا فكرت بمفهوم القلعة المحاصرة في مقابل الفضاء العربي الواسع حيث التطورات التعليمية والتطورات الانسانية وحتى التطورات الديموغرافية التي لا يجب ان يستهان بها، وإذا وضعت مصير وطني ضمن هذا المنظور القومي فإنني أنظر إلى الأمام بتفاؤل. ليس هناك حل فلسطيني للقضية الفلسطينية، هناك حل عربي للقضية الفلسطينية على رغم تبعثر الوضع العربي الحالي. ولكن، في النهاية حضارياً هذا هو الحل.
 
في نقاش مفتوح مع جمهور فرنسي نُظِم أخيراً في باريس قلت أننا لن نصل إلى سلام حقيقي في معزل عن الوصول إلى ثقافة سلام. كيف تفسر هذه الثقافة؟
 اسمحي لي أن أُعدٍّل الصيغة قلت أن الثقافة هي الضمان الحقيقي للسلام. حتى الآن مفهوم السلام يصوغه الإسرائيليون على الطرف الفلسطيني. هذا لا ينطبق على ما يجري بين مصر وإسرائيل. على حدة ومعاً، صاغا مفهوماً للسلام قائماً على أساس انسحاب إسرائيل من الأرض المصرية مقابل أن تعطي مصر سلاماً لإسرائيل. في حالتنا الآن الإسرائيليون يتصرفون مع الفلسطينيين ليس ككيان مستقل وليس كدولة. يتصرفون معنا كمجموعة إثنية مقيمة على أرض إسرائيل. وهم مستعدون أن يعطونا حق الإقامة الطويلة على أرض إسرائيل. هذه هي الثقافة السياسية الإسرائيلية. لم ينتقلوا من الإنكار المطلق للوجود الفلسطيني. في الماضي والحاضر إلى التعامل مع الفلسطيني كشعب بذاكرة جماعية بهوية واحدة، وإلى تقاسم هذه الأرض معه والاعتراف بأن هذه الأرض فلسطينية حتى الآن هناك في الثقافة الإسرائيلية إجماع بأن هذه أرض إسرائيل وأن اليهود عادوا إليها بعد نفي طويل من دون أن يدققوا جيداً في مفهوم هويتهم. هم الآن منفيون مهاجرون من كل بقاع العالم الجغرافية والثقافية وبالتالي هم يشكلون مجتمعا من منفيين.
 
ولكنهم منفيون على ارض يعتبرونها ارضهم؟
 هذه قوة الخرافة عندهم. أو هذه حاجة السيف لشرعية ثقافية أو شرعية أخلاقية. هذه مشكلتهم لكنها لا تبقى مشكلتهم عنما يحول هذا الفهم دون حقي في الوجود. عندما يفرض عليّ غياب دائم. وكل السيرة الفلسطينية هي تجاذب بين الحضور والغياب. وما أعنيه هو التالي: إن لم يغيّر الإسرائيليون ثقافتهم وطريقة قراءتهم للتاريخ على هذه الأرض فلن يصلوا إلى سلام وسيعتبرون أنفسهم خاسرين دائماً. إذا فهموا أننا نحن الغرباء وهذه الأرض لهم ولهم فيها حق مقدس وحق قادم عن طريق المسدس أيضاً وإذا لم يغيروا هذا الفهم فلن يكون هناك سلام. السلام يحتاج إلى إعتراف متكافئ ومتبادل بحق الطرفين. لن نبحث الآن تاريخياً في نشوء إسرائيل ولن يبحث الفلسطينيون في فكرة هل فلسطين التاريخية لهم أم لا. هذا بالنسبة إلينا بديهي ونحن لا نجادل في هذا الموضوع إلا بقدر ما يحتاج هذا الجدل لزحزحة القناعة الإسرائيلية عن تحجّرها، نحن العرب قبلنا الواقع الإسرائيلي بغض النظر عن شرعيته أو عدم شرعيته. لا نرى أنه كان مشروعاً شرعياً ولا نرى أنه مشروع تحقق بالكتب المقدسة. هو مشروع تحقق بالقوى العسكرية.
 ولكن، نحن الآن اعترفنا بالواقع الاسرائيلي ولا يمكن حل المشكلة الفلسطينية من دون حل المشكلة الإسرائيلية. هذه من المهام الملقاة على عاتق الضحية. عليه أن يحل مشكلة جلاده أيضاً. مهماته نبوية رسولية روحانية مفروضة علينا. العرب قبلوا الواقع الإسرائيلي وبالتالي هذا انقلاب كبير في الثقافة السياسية العربية. هل أجرى الإسرائيليون تنقيحاً وتغييراً على نصوصهم وكل نصوصهم لا تعترف بنا؟ إذا يحتاج إلى أن يعيد قراءة ثقافته بطريقة تفسح مكانا للآخر هو الجانب الإسرائيلي. من دون هذا الفهم، ستبقى الحلول قائمة على موازين قوى متبدلة.من حماقات الإسرائيليين أيضاَ أنهم لا يريدون أن يقيموا سلاماً قائماً على اعتبارات موازين القوى. موازين القوى متغيرة، هم الذين ينسفون السلام فور بنائه.
Close
تصميم وبرمجة انترتك - تصوير أسامة السلوادي
بدعم من : اللجنة الوطنية الفلسطينية للتربية والثقافة والعلوم