مؤسسة ومتحف محمود درويش
الشاعر الأعمال الكاملة
المتحف أنشطة وفعاليات الإعلام
ركن الهدايا
مؤسسة محمود درويش
اتصل بنا
En
حوارات »  

لا يوجد اليومَ إلاّ إله واحدٌ، وهُو أمريكيٌّ ترجمة- محمد المزديوي
لا أتضايق، البَتَّةَ، في التصريح بِوُجود جزءٍ يهوديّ فِيَّ

(المغرب)
 
أجرت صحيفة "ليبيراسون" الفرنسية حواراً مع الشاعر الفلسطيني محمود درويش، تطرق فيه لمواضيع مختلفة. وقد ظلّ الشاعر الفلسطيني، كمَا عوَّدَنا في كل الحوارات التي أُجرِيَت معه، قادرا على الإجابة كما لو أنه يقرأ إحدى قصائده.
"تُشَكِّلُ فلسطين، ومنذ أكثر من نصف قرن، بالنسبة للشعب العربي مَرْجِعاً، وكذلك رمزَ الفردوسِ الضّائع. ولكنها تُجَسّد، أيضاً، الصراعَ من أجل العدالة، التي تَظَلّ، بالنسبة للعديد من العرب، جَوهرَ وُجودِهِم المُعاصِر: العدالة في فلسطين تُمَثِّلُ، بشكل من الأشكال، نوعاً من شرطَ مُمارَسَة حريتهم الخاصة."
حين يُسألُ الشاعر عن ما تعنيه هذه العدالة. يُجيبُ: "إنَّ تاريخَ فلسطين كان دائما تاريخاً مُتَعَدِّداً. والصراع الذي نعيشه ضدّ الإسرائيليين، على المستوى التَصَوُّرِي، يدور حول هذه النقطة. هُمْ (أي الإسرائيليون) يريدون أن يبدأ تاريخ فلسطين مع تاريخهم، أي منذ القرون التي سكنوا وسادوا في هذه الأرض. كما لو أن التاريخَ تَبَلْوَرَ بحيث لم يوجد شيء من قبل ولن يوجد شيء من بعد. ودولة إسرائيل حسب هذا التصور تمثل امتدادا طبيعياً لهذه المرحلة. أما نحن فنعتقد أن تاريخ فلسطين يبتدئُ منذ أن تواجد (في فلسطين) بَشَرٌ، على الأقلّ منذ أنْ تَوَاجَدَ الكنعانيون. وإذا تَوَاصَلَ هذا التاريخُ مع المرحلة اليهودية، وهذا مَا لاَ نُفكّر في نفيه، فإن تاريخ فلسطين هو تاريخٌ متعدِّدٌ. إنه تاريخ يجمع ما بين سكان أرض الرافِدَين والسوريين (نعتقد أن المقصود هم الأشوريون. المترجم) والمصريين والرومانيين والعرب، ولاحقا العثمانيين. ربما تاريخ فلسطين تَشَكَّلَ من خلال العنف، ولكنّ هذا لا يمنع أنه ثمرةُ التقاء كل هذه الشعوب. إنّ هذه التعدديةَ ثراءٌ. وأنا أَعتَبِرُ نفسي وريثاً لكلّ هذه الثقافات، ولا أتضايق، البَتَّةَ، في التصريح بِوُجود جزءٍ يهوديّ فِيَّ. لا أستطيع أن أتَصَوَّر امتلاكا حصرياً لهذه الأرض. أنا أَرُدُّ على الإسرائيليين الذين يَدّعون أنهم يمثلون امتداداً لِمَملكة إسرائيل بالقول بأني امتدادٌ للكنعانيين. لا أريد أن أقول إنني كنت هنا قَبلَهُم، أنا أقول فقط: أنا منتوجُ كلّ هذا وأَقْبَلُهُ وأضطلع به.
وعن سؤال ما يعنيه تعريف محمود درويش لنفسه بـ"الشاعر الطروادي"، يرد: "أنا لم أَخْتَر أن أكون ضحيةً، لا على المستوى الوجودي ولا على المستوى السياسيّ. الشروط التاريخية هي التي جعلت الفلسطينيين-وأنا من بينهم- ضحايا. وهكذا فأنا أُجهِدُ نفسي على التعبير عن وعي الخَاسِر وعن الضحية. هذا هو ما يعنيه أن تكون شاعراً طرواديّا: إنه القول بأنه لا يوجد فقط مَحْكِيُّ المُنْتَصِر. إننا لم نسمع أبدا صوت الطرواديين، و"هوميروس" هو النشيدُ المَجِيدُ للإغريق. إنّ الطرواديين يمكن أن يكونوا قد عبَّروا بطريقة أو بأخرى، ولكن صوتَهُم تبدَّدَ إلى الأبد. وأنا كَشَاعِر أبحثُ عن هذا الصوت. الضعفاءُ يتوجَّب عليهم أن يُقَدِّموا رواية التاريخ، ولا يجب، أبداً، الاكتفاءُ برواية الأقوياء. وعلى كل حال، فإنّ الأدبَ الجَيِّدَ هو أدبُ الضعفاء والمهزومين ومن يُعانون، ومن فضائل الأدب أن تُتِيحَ لنا التحسيسَ بِالأَلَم والجِرَاح، وبالتالي إيصالَنَا إلى إنسانِيَتِنَا." 
وتسأل الصحيفة: إذاً فمن الأفضل، حسب رأيك، أن تكون سجيناً من أن تكون سجّاناً.
يجيب درويش: " إننا ننسى أن السَجَّان هو، بصيغة ما، سجينٌ: إنه سجينٌ بلا أُفُق، ولا يحمل أيّ رسالة، وإنّ ما يبحث عنه ليس هو تحقيق حريته وإنما منع الآخَر من أن يكون حُرّاً، إنه ضحيةُ نفسِهِ. السَجَّان لا يستطيعُ الغناءَ لأنه يَجهلُ كلَّ شيء عن الكآبة، إنّه لا يملك، لا الندَم إلى السماء ولا الحنين إلى البحر. أما السجين، فبالمقابل، يُغَنّي، لأنّ الغناءَ وسيلتُهُ الوحيدةُ للإحساس بِوُجودِه الخاصّ والبرهنة عليه. وهو في أعماق نفسه يُحِسُّ بأنه أكثرُ حريةً من سجّانِهِ الذي لا يَملِكُ وعياً بحريته الخاصة وبعزلته الخاصة. إنّ دور الشِّعَر هو أن يمنَحَنَا هذه القوة، بالرغم من أنها تَخَيُّلِيّة.
وعن سؤال عن استخدام درويش لِـ"النّاصري" المسيح. يقول: "لديَّ كُلُّ الأسباب التي تدفعني لاعتبار المسيح صديقاً شخصياً. إنّه ابنُ البلد، فهو من "الناصرة" في الجليل. ثمّ إن رِسَالَتَه بسيطةٌ جدا، رسالةُ السلام والعدالة. فهو في أَمثالِهِ (القصص القصيرة ذات المدلول الأخلاقي، والتي تَرِدُ بشكل أكبر في الأناجيل الأربعة. ملاحظة من المترجم) يتحدث كما لو كان شاعراً. فهو في حدّ ذاته حالةً شعرية: يريد تَدجين السجّان من خلال مُهَامَسَتِهِ، بل وحتى معانقته، فهو يُواجِهُ العنفَ بالرِقَّة. إنه صديقُ الضعفاء، والمحرومين، والمنعزلين. وهو في هذا رمزٌ للتسامُح ولِوَحْدة البشرية. وأخيراً، هو صورةُ المعاناة. وبما أنه كذلك، فهو يُلهِمُنَا ويمنحُنَا الشجاعة. لأنّ الشعب الفلسطينيَّ، اليومَ، هو الموضوعُ على الصليب بسبب سياسة الاحتلال الإسرائيلي. لقد أصبحَ موتُ الفلسطينيّ مسألة غير مهمة مثلها مثل النشرة الجوية (الطقس)، وغزوُ أمريكا، التي وضعت نفسها فوق القانون، للعراق لم يعمل إلاّ على إضفاء القداسة على وضعية الاحتلال."
وعن السبب الذي يجعل الشاعر محمود درويش يذكر المسيح أكثر مما يذكر النبيّ محمد"، يقول: "لأني أُحِسُّ بأني أستطيع أن أتَحدَّثَ عن أحدهما بِحُرّيّة، بينما أَشْعُر كما لو أنَّه توجد رِقَابَةٌ مَا حين أتحدث عن الآخَر. وبما أنّه تمّ قبول الفصلُ بين الدينيّ والسياسيّ في المسيحية، فإنه يبدو سَهْلاً مُحَاوَرَةُ المسيح. لقد استطاع الفنّانون أن يُصوّروا المسيحَ أشقَرَ، أَسْمَر أو أسودَ، ولكني لا أستطيعُ أنْ أتَخَيَّل "محمدا" إلاّ عربيّا.
في قلب الكارثة، هل يستطيع الشاعِرُ أن يُغَنّي؟ كيف يمكن مُصَالَحَةُ التزام الشاعر السياسيّ في العالمَ والتعبير الغنائيّ عن جوانيّتِهِ؟ كيف يمكن إيجاد حلّ لهذا التوتر بين الداخل والخارج؟
- أي مكانٍ للشِّعر في عصر البربرية؟ إنّ صرخة "أدورنو": "هل من الممكن كتابةُ قصيدة بعد "أوشفيتز"؟ تَرِنُّ دائما بكثير من الصحّة والدقّة. لا أعرفُ متى وعَيْتُ هذه الثنائية بين الداخل والخارج، هذه الجَدَلِيّة بين التزام الشاعر وحريته. بالرغم من أنه أن تكون شاعراً، في حالة فلسطين، معناه أن هذه الثنائيةَ تصبح محسوسةً بشكل لا مَفَرَّ منه. لأنّه طُلِبَ من الشاعر في وقت مُبَكِّر: "مَنْ أنتَ حقيقةً؟" وأنا بدوري تَسَاءَلْتُ: "من أكونُ، حقيقةً؟" لأنه في نَظَر الشروط التاريخية التي وُلِدْتُ فيها، لم يكن الالتزام خياراً. إنّ كُلَّ الكُتّاب الفلسطينيين، ودون أن يعرفوا مفهومَ الالتزام، كانوا مُلتَزِمِينَ. إنّنا حين نكتُبُ تاريخَنَا الشخصيَّ فإننا نكتُبُ تاريخنا الجماعيَّ." 

وعن جدوى الشِّعر، يرى الشاعر درويش " لم تكن لنا أبداً من قبْلُ هذه الحاجة إلى الشعر. الشِّعْرُ لا يُوَاجِهُ الحربَ بأسلحة الحرب. إنه لا يُسقِطُ طائرات بِصَاروخ بلاغي."
وعن السؤال التالي: "أنتَ كشاعر فلسطينيّ، شَاهِدٌ على مأساة شعبِكَ وكذلك شاهد على الإيمان بالإنسانية. وكلمة "شَاهِد" هي المعنى الأول لكلمة "شَهِيد". والذين يقومون بعمليات-انتحارية يُطْلَق عليهم أيضا "شُهَدَاء". كيف يمكن أن نكون شهيداً ونتسبَّبَ في موت أشخاص أبرياء؟
يجيبُ محمود درويش: "كذلك في القرآن، كلمة "شهيد" تعني أيضاً "شَاهِد". يوجد خلطٌ في تحديد العمليات الانتحارية. وهنا لا يتعلّق الأمرُ بـ"شهداء" ولكن بـ"انتحاريين" Kamikazes. وفي الحروب، يوجد انتحاريون kamikazes في كلّ الأطراف. إنّ كلمة "شهيد" كلمة مفتوحةٌ جدا. المسيحُ ومحمد الدُرّة والشعب العراقيّ الذي هَلَك تحت القنابل "الذكيّة" الأمريكية، هم شهداء، لأنهم يَشْهَدون بإنسانيتهم في وجه الرُّعب والبربرية. الانتحاري Kamikaze، في نظري، هو من يمنح حياتَهُ من أجل قضية يعتقد أنها عادلةٌ. أنا أَدَنْتُ، ولم أَكُن الوحيدَ، العمليات الانتحارية kamikazes التي تَسْتَهْدِف مَدَنِيّين. الإسلامويون يَرُدّون بالقول إنّ الإسرائيليين يقتلون هُم أيضا مدنيين (فلسطينيين). وجوابي هو: ليس علينا أن نفعل مثلهم (الإسرائيليين)، لأننا إن فَعلْنَا مثلهم، فما هو الفرقُ بين الجلاّد والضحية؟"
هل توجد نقاط مشتركة ما بيت المأساة (التراجيديا) القديمة والمأساة التي يسببها الصراع الإسرائيلي الفلسطينيّ؟ يجب محمود درويش:
"الآلِهَةُ عند الإغريق هي مَنْ يُقَرِّرُ، هذا هو القَدَرُ. المُؤَلِّفُ القديمُ يَصِف بَطَلاً تتكسَّرُ حركاتُه وكبرياؤه بسبب إرادة الآلِهَة، بينما يتحدّث الشاعر الفلسطينيُّ، اليومَ، عن شيء آخَر من البطولة. لا يوجد في مأساتنا قَدَرٌ، وإنما الرغبة في تغيير الأشياء هي التي تُحَفِّزُ الأفعالَ. يوجد اختلافٌ آخَرُ، واسمحوا لي أن أجيب بسخرية: في المأساة الإغريقية يوجد تَعَدُّد آلِهَة نعثر من بينها على مَنْ هي حسّاسة وحنونة على ضحَايَاهَا. في الوقت الراهن، لا يوجد سوى إلهٌ واحد، وهو إلهٌ أمريكيٌّ. وأنا على المستوى السياسيّ والشّعري أفضل تعددية الآلهة على التوحيد.
 
 

 
محمود درويش: 
ليس متفائلاً باختراق الوعي الإسرائيلي وليس ضد الحوار.. والأمثولة الفلسطينية الفدائية أسست لمقاومة اللبنانيين
لم تصدمني العودة، وقصيدة محمد الدرة ليست تحوّلاً في مساري الشعري
عباس بيضون؛ أحمد بزون؛ نديم جرجورة؛ رشا الأطرش
تحلقنا جميعا، كل "السفير" من حول محمود درويش: شاعرنا، كاتبنا، مغنينا، و"زميلنا" الذي وسّع مدى فلسطين فجعلها ملحمة إنسانية تتقاطع فيها حقيقة الجرح ووجع الاقتلاع والوطن الممنوع من أرضه والمنفى المقفل بالأسطورة المسلحة. 
تحلقنا من حول فلسطين القصيدة والأمل الذي يصارع الخيبة والعجز، والحق المهيض الجناح أمام هجمة العنصرية التي تستولد ذاتها من ذاتها وتنشر الخوف على الأرض المصادرة بحجة الخوف المتفاقم من أهلها الذين لا يموتون ولا يرحلون ولا ينسون ويقررون البقاء في الأرض لأنها مصدر القداسة والأبقى من الذاكرة. 
لم نتحلق حول محمود درويش لنسمع كلمة هذا الشعب الذي يكاد تاريخه المعاصر ان يكون انتفاضة مفتوحة، وإنما لننتعش بذكاء منشد فلسطين الأكبر، فحديث محمود درويش متعة كشعره. فهو قد اكتنز من تجربته الخاصة التي خاض فيها الغياهب حتى وقف على حدود الموت، واكتنز من الماضي فعاش على الطريق إلى فلسطين في كل مكان، واكتنز من العالم والحياة كلها فكان صوته شخصيا، فلسطينيا، عربيا وكونيا في آن واحد. 
مذهل هذا التدخل بين الشاعر والسياسي في هذا الرجل الذي يبهرك نثره بقدر ما ينشيك شعره، والذي تتداخل لغة القصيدة مع تحليله السياسي فإذا الذكاء يحتل المساحة ويحرضك أن ترتقي بلغتك لينتظم الحوار. 
إنه ابن قضيته وبطلها المقيم، المنفي، العائد، الشهيد، المقاوم، المحاور، المنادي بالسلام في وجه الخرافة المسلحة. 
ولهذا فهو يتابع، ويعرف، ويحلل، ويعلن رأيه. يقرأ ويسأل ويقدر ويستنتج. ثم انه يعرف "المجتمع المعادي" بتفاصيله، بعسكره ومثقفيه، بأحزابه التي تلغي توراتيتها علمانيتها، بأنبيائه الكذبة وقادته الذي انتصروا في الميدان كثيرا وما زالوا يخافون أكثر من الحقيقة التي يحاولون طمسها بالضحايا والدم والبيوت المهدمة والأشجار المحروقة. 
لا يخفي محمود درويش تعاطفه مع عرفات والسلطة ومحاولاتها لتجسيد فكرة الوطن على الأرض، هي الممنوعة من أن تكون دولة. ويعرف نهايات التفاوض حول المستحيلات (إسرائيليا): عودة اللاجئين، القدس... إزالة المستوطنات؟! "في البداية كنت أظن ان المستوطنات مجرد كارافانات أو بيوت جاهزة، ثم فوجئت بأنها مدن أكبر من مدننا الفلسطينية، لا سيما في الضفة، فكيف يمكن تفكيكها؟!". 
الشاعر هنا لا يتلقى من المطلق والغيب، ولكنه يعرف ويفهم ويتابع دقائق الواقع التفصيلي. وتعجب كم ان محمود درويش حكيم، انه حكيم فلسطين كما هو شاعرها. إن لم يقنعك رأيه، أحيانا، أقنعتك حكمته، إنه مكتنز بالتجربة، مثقل بالطعنات والمطاردة ومرارة النفي التي حولها إلى عطر وشهد وألحان. 
خرج الشباب والشابات من الانبهار وجلسوا الى محمود درويش يسألونه فلا يرتوون، ويجيبهم ولا يتعب، فالشاعر الكبير النجم الرمز يظل بسيطا وقريبا من القلب وظريفا، وحكّاء، إذا احتاج الأمر وفي كل ذلك وفي أبعد تفاصيله قريبا وأليفا كالحياة. 
لمرة صار الحديث السياسي رقيقا كالشعر، صادقا كالجرح، بغير ان يغيب "الحكيم" الذي يمكن أن يتحول في لحظة الى "داهية"، وبغير أن يتوقف عن إكمال ملحمة فلسطين الباهرة حقيقتها إلى حد أنها تبدو رقيقة كالأسطورة. 
بداية حديثه كانت شكلا من أشكال التنهد المؤلم: فالمنفى يحمله الفلسطيني إلى أي مكان، حتى في الوطن نفسه، طالما أن القوام الجغرافي لم يتحقق. ففلسطين الآن، أي فلسطين المتحققة، هي مجموعة من الأقفاص لا علاقة جغرافية بينها ولا اتصالا ولا شكلا. هناك استقلال داخل المدن أو ما يسمى في المنطقة (A)، أما المكان الذي من المفترض ان ينشئ الفلسطيني عليه دولته فهو غير محدد. هي دولة بالوعد والذهن. والفلسطيني كما رأى درويش يميز بين وطنه أو وعيه لوطنه التاريخي وبين حقه الممكن في أن يقيم دولة على جزء من هذا الوطن. أما الحكم على هذا التمييز فسوف يكون براغماتيا لا أخلاقيا. وما دام الإسرائيليون يناقشوننا في النسب المئوية فنحن نقول لهم: تنازلنا عن 78 في المئة من وطننا التاريخي من أجل إقامة دولة قد تؤدي إقامتها الى تسوية تؤدي الى سلام ممكن. نحن منتصرون في حجم التنازلات (يضحك) فهم "يذلوننا" في أنهم طلعوا من 94 في المئة من الضفة الغربية وقطاع غزة. 
ويرى محمود درويش أن هناك تشكلات، وهناك درجات في المجتمع الفلسطيني داخل مناطق السلطة. المناطق مقطعة، والضفة الغربية منقطعة، الى حد ما عن المجتمع الفلسطيني في غزة، سواء أكان على مستوى البنية الثقافية أو التربوية. ولا نستطيع الكلام على مجتمع فلسطيني موحد الملامح، فهذه الملامح لا تزال تتشكل. 
ويتابع: قبل العام 1948 كان هناك مجتمع طبعا. ثم تم تدمير هذا المجتمع وتقسيم الفلسطينيين الى تجمعات. وكل مجتمع فلسطيني في الأردن وسوريا ولبنان وغزة والضفة الغربية وأراضي 1948 له ملامح المحيط الذي هو فيه.
 
الوعي موحّد
 
الفلسطينيون لديهم تماسك على مستوى الوعي والفهم المشترك لهويتهم. فوعي الفلسطيني لهويته وتاريخه وذاكرته موحد، أما ان يكون المجتمع الفلسطيني موجودا ومتصلا ببعضه البعض على الأرض، فهذا شيء آخر. 
الدولة أحد أغراضها إنها توحد هذا المجتمع. فالتوحيد المطلوب مرحلة لاحقة لمشروع الدولة وليست سابقة له. ولو كان هذا التوحد موجودا من قبل، لكان الأمر أسهل على نهوض مشروع الدولة. فأحد انتصارات إسرائيل هو أنها تستفرد بكل مجموعة أو عينة من المجتمع الفلسطيني على حدة، حيث كل فئة في قفص والمفتاح في يد إسرائيل. فليس هناك اتصال بين غزة والضفة الغربية حتى الآن بتاتا، منذ أوسلو، والاحتلال، قبل أوسلو، كان يسمح بالعلاقات بين غزة والضفة الغربية، لأنه لم تكن هناك حواجز، كانت الأرض مفتوحة. بعد الانتفاضة الأولى وجدت الحواجز. الآن، ومنذ أوسلو، لم يعد هناك أي اتصال بين الضفة الغربية وغزة، لا أفرادا ولا مجتمعات. فعلاقات غزة بمصر أصبحت خاضعة للسلطة الإسرائيلية، إذ أصبح هناك حاجز، والضفة الغربية التي كانت لها علاقات بالأردن أصبحت مغلقة، بل أصبحت علاقتها بإسرائيل على مستوى التجارة والاقتصاد، وليس حتى مع مجتمع 1948، لأن الأخير جزء من الدولة الإسرائيلية وهو مغلق. وهذا شيء موضوعي. 
هل السلطة الفلسطينية حتى الآن ما زالت لها صفة الشرطة؟ وما دورها في تأمين استقطاب هذا المجتمع؟ 
يقول درويش: لم تكن شرطيا منذ البداية. هي ككل شرطة فيها جانب بوليسي، لكن ليس كلها بوليسية. فالأمن أحد اهتمامات السلطة، وليس هناك سلطة من دون أمن لكن لديها أيضا برامج اقتصادية، وثقافية، وتربوية، وهناك اهتمام كبير ببرامج التعليم، وصياغة مشروع ثقافي محتواه ان فلسطين كلها موحدة على مستوى المستقبل والتاريخ. لا.. السلطة ليست فقط مظهرا أمنيا او بوليسيا. هناك نقاط اشتراك بين السلطة وبين المجتمع مثل تلك القائمة بين أي مجتمع وأي سلطة، ففي الأزمات الأمنية يحدث ذلك. 
وهل التعلق بالسلطة الفلسطينية إذا يمثل التعلق بالدولة لأنها أحد مجسدات فكرة الدولة؟ يجيب درويش: عندما كنت في لبنان، كنت دائما أقول ان منظمة التحرير هي الوطن المعنوي للفلسطينيين. السلطة هي نواة الدولة الفلسطينية. طبعا هناك ما يثير الدهشة، بأنه ليس هناك دولة اسمها سلطة. فجواز السفر الذي أحمله صادر عن السلطة الفلسطينية، لكن هذا ليس ابتكار السلطة، بل هو شيء أكرهت هي عليه، لأن هذا الجواز ناتج عن اتفاق فلسطيني إسرائيلي. إسرائيل لا تسمح ولا تعترف بتسمية الدولة الفلسطينية، فوجدوا حلا وسطا اسمه السلطة، أي أننا نحن دولة السلطة، ولسنا سلطة الدولة، وهو اسمنا رسميا في العالم، ونأخذ تأشيرات الى أوروبا وأميركا بسهولة إذا كنا نحمل هذا الجواز. 
 
طوارئ فلسطينية 
 
إطار السلطة يطرح سؤالا عن استقطاب النخب الفلسطينية الاقتصادية والثقافية..؟ يرد درويش: في البداية كان هناك إقبال من النخب الاقتصادية والثقافية والأكاديمية على التعاون مع السلطة. لكن مع الممارسة والتجربة ولأن السلطة مشغولة بحربين، حرب تثبيت ذاتها وعلاقتها بالمجتمع، وحرب الاستقلال لأن لديها صراعات مع الاحتلال، تأخر هذا الاستقطاب. دائما كلما تأزم الصراع مع الاحتلال، يتوحد المجتمع والسلطة، وتعود السلطة سلطة وطنية يلتقي مشروعها مع مشروع المجتمع الفلسطيني. 
إذا أخذنا اللحظة السياسية الراهنة، لا أحد ينظر الى السلطة على أنها الشرطة التي تقمع المجتمع، الآن ينظر على ان الاثنين شيء واحد في مواجهة الاحتلال وفي محاولة تحقيق المشروع الوطني، فكلما تأزمت العلاقة بين السلطة والاحتلال ازداد التفاف المجتمع من حول السلطة. فالمسألة الوطنية مازالت هي الأولى، قبل السؤال الديموقراطي والسؤال الثقافي، لأننا مازلنا في حالة طوارئ. 
أما عن استقطاب الفلسطينيين من خارج فلسطين كالبلدان العربية وأوروبا وأميركا.. فللأسف لم تنجح السلطة في استقطابهم. ولا أعرف مدى محاولتها في هذا الصدد، لكني لا أرى ان هناك جاذبية للفكرة لدى النخب الثقافية والاقتصادية في الخارج لهذا. اقتصاديا أفهم ذلك لأن رأس المال جبان، ولا يستطيع ان يعمل ان لم يكن هناك حد أدنى من الاستقرار السياسي او الأمني. 
وفضّل درويش ان نخفف قليلا ثنائيات السلطة والمجتمع، ونتكلم عن فلسطين. في بداية أوسلو، كان الجو العام الثقافي الإسرائيلي متقبلا لفكرة المصالحة بين الإسرائيليين وبين الفلسطينيين على أساس ان تلك المصالحة قد تضع الإسرائيلي في حالة تطبيع مع نفسه، وتخفف التوتر الوجودي الذي يعيشه. هذه المصالحة أيضا تفتح باب السلام مع العالم العربي أي ان السلام العربي الإسرائيلي لا يمكن ان يتم إلا عبر البوابة الفلسطينية، وأظن أننا نشاركهم في ذلك الوعي. وكان هناك التفاف بشكل خاص من قبل نخبة من المثقفين والمبدعين الإسرائيليين الذين شاركوا، في غرناطة، في ندوة شارك فيها ياسر عرفات وبيريز، وبارك مثقفون هذه الندوة. ثم لاحظنا تفاعلات إسرائيلية داخلية أدت الى اغتيال رابين، مما يعني ان المجتمع الإسرائيلي ليس موحدا حول موضوع السلام، بل حول الحد الأدنى من السلام. وهذا إعلان أن الجاهزية النفسية والتربوية والثقافية الإسرائيلية تعترضها مقاومة من اليمين والخوف التقليدي الإسرائيلي. فاغتيال رابين أحدث تحولا جذريا، وكان من المفروض أن يؤدي الى استنفار لدى قوى السلام، مثل حزب العمل. لكن قيادة شمعون بيريز لحزب العمل، وما فعله في الجنوب ومجزرة قانا، تظهر أنه لم يرد أن يكون بعيدا تماما عن جو المناخ المضطرب في إسرائيل. بدأ التحول من هناك وتراكم وبلغ وصول نتنياهو ثم شارون. حتى باراك فهو شارون ثانٍ. باراك فكره ليكودي، مثل تصريحاته البارحة في "واشنطن بوست" فهو يبارك كل ما يفعله شارون بل ويشجعه على الاستمرار، فبالرغم من أنه قائد حزب العمل إلا أن فكره فكر ليكودي. ومن مفارقات الأقدار أن حزب العمل اسمه حزب يسار، وان باراك يسار، لكنها ليست أكثر من تسميات حزبية. 
 
عودة إلى مرحلة الخوف 
 
هناك شبه وحدة فكرية بين اليمين واليسار. في رام الله، من مدة، كان هناك لقاء بين نخبة من المثقفين الإسرائيليين والفلسطينيين رعاه ياسر عبد ربه ويوسي بيلين. للأسف قيل لي، لأني لم أكن موجودا، ان هذا اليسار والمثقفين الإسرائيليين يتبنون تبنيا كاملا الرواية الإسرائيلية حول المأزق السياسي الحالي. أي أن الفلسطينيين بتمسكهم بحق العودة يطالبون بعودة أربعة ملايين فلسطيني، مما يعني القضاء على الطابع اليهودي للدولة الإسرائيلية. ثانيا ان الفلسطينيين لا يريدون السلام بدليل أنهم تخلوا عن العرض الكريم الذي قدمه باراك، وثالثا أننا نحن نرفض وقف إطلاق النار (بينما شارون هو الذي يتولى إطلاق النار). 
اللحظة الثقافية الحالية في إسرائيل هي لحظة واحدة وطنية، والأفراد الذين لديهم أصوات مختلفة يعدون على أصابع اليد الواحدة. اللحظة الآن ثقافيا وسياسيا متطابقة. لكن المشكلة أننا دائما مطالبون بتقديم تطمينات، وحل لمشكلة مخاوفهم لا مشكلتنا نحن، وهذه من أقدرانا العجيبة، التي تبدو مضحكة. يجب علينا إذا، ونحن ننشئ مشروعنا، ان نطمئنهم. ولا بد أنكم لاحظتم لهجتهم في وقت الانتفاضة بأنهم محاصرون، وفي خطر، وإنهم عادوا الى أجواء ما قبل 1967، أي مرحلة الخوف الحقيقي. أي أنهم حشدوا خوفا آنذاك من أجل ضربة 1967، والآن شارون يعيد تذكيرنا بأن حرب 1948 لم تنته، بأي معنى؟ بمعنى أنه لم ينجز المشروع الصهيوني، مع أن هذا المشروع أنجز. فإذا كان هدفه (المشروع) إنشاء دولة، فهم أخذوا، في التقسيم، ما لنا وما لهم، وتوسعوا. واذا كان فهمه هو الإجهاز على الهوية الوطنية الفلسطينية وان ذلك هو ما لم يتم، فهذا صحيح. نحن نخاف من هذا الفهم والحرب، لكننا نأخذ عبرة بأن هذه حرب استقلالنا. هناك الآن صراع حول أن هذه الحرب هي حرب 1948 إسرائيلية أم حرب 1948 فلسطينية؟ نحن نريدها أن تكون حرب استقلال فلسطينية. 
وبعد كل هذه المقولات هل المجتمع الإسرائيلي، بتركيبته السياسية والقومية قادر على الصمود؟ يرد درويش: الإسرائيليون يخسرون خصوصا في مجال السياحة والزراعة. وهم يخسرون أيضا في مجال الاستثمار، لكن قدرتهم ومقومات صمودهم أقوى من مقومات صمودنا. فهم اقتصاديا وعسكريا دولة عظمى، واذا كان قد أصابهم نقص ما، فالحنفية الأميركية مضمونة. لا نريد أن نراهن كثيرا... 
 
دور المثقف 
 
وينفتح الكلام على ثقافة السلام مع إسرائيل. ويعتقد درويش أن ثقافة السلام كان شعار إسرائيل، وبرأيي أنه سيصبح شعارنا نحن، لأنه مهما بلغ بنا سوء الأمر، فهم يتمنون منا أن نرفضهم، فقوتنا المعنوية الآن هو أننا متمسكون بفكرة السلام. لماذا؟ لأنه في كل حروبهم ودعاياتهم وعلاقتهم في العالم الخارجي يقولون إنهم دولة صغيرة تسعى الى السلام، والعرب لا يقبلونه. منذ عشرين سنة كان للعرب مشروع سلام عربي، قائم على قاعدة قبول 242، 338، انسحاب إسرائيلي من كل الأرض العربية والفلسطينية. نحن بهذا توجهنا الى إسرائيل. وبهذا القبول للسلام، تمكن الفلسطينيون من إقامة شيء من الكيانية. ومن يتراجع الآن عن موضوع السلام ليس نحن بل هم. وأنا أعتقد أنه ثقافيا وسياسيا، وحتى إعلاميا، لا نخسر شيئا من التمسك بأننا نريد السلام. في رأيي التخلي عن فكرة السلام من جانبنا ستكون الهدية الكبرى للإسرائيليين وسيريحه لأنه هو لا يريد السلام. أنت تريد ملاحقته بضغط السلام، السلام طبعا القائم على حد أدنى من العدالة. حتى التحرير والكفاح المسلح والوحدة العربية آخرتها ماذا؟ أليس السلام؟ حتى حرب التحرير ستنتهي الى سلام. 
حتى أنني أفاوض العدو بهذا الشعار وهو يطلق النار. في آخر الأمر أنا أحاور معه على موضوعين: استقلالي وحريتي. هو مستمر في حرب، أسأقول له إنني متخل عن السلام؟ حتى وإن كانت عملية السلام الآن تعطلت. 
أما دور المثقف في التسوية، والذي يتقاطع مع دور السياسي أو يفترق، فهو ملتبس، خصوصا أن هذا الالتباس موجود أيضا في شخصية درويش الذي تتقاطع لديه أيضا الصفتان. 
قال: أنا أرى أن المثقف لا يقدر أن يكون متعاليا، لا بصفته المعنوية ولا بنشاطه ولا بسلوكه، عن الواقع والسياسة. لا أقدر أن أفرق بين المثقف والسياسي. والسياسي ليس مفهوما معيبا، بل السياسة بمعناها الأرقى: علاقتك بواقعك، بمجتمعك، بالتاريخ. لكن المثقف لا يجب أن يكون مشغولا بالتسوية، بل بصياغة مفاهيم العلاقة بين الحرية والسلام، العلاقة بين الأنا والآخر. مجال عمله هو على مستوى الوعي، العمل على تغيير وعي الآخر. أما أن ينخرط بالسياسة فليس هذا هو الموضوع. أنا مبدئيا لست ضد الحوار، لأنه لا يمكن أن تصل الى سلام مع الإسرائيليين أو تغيير في فهمهم لذاتهم إلا من طريق إقناعهم، والرأي العام الإسرائيلي موجود وله احترامه وله قوة ضغطه. صحيح أنه يتشكل بسهولة عن طريق الوسائل الإعلامية الرسمية لكنه موجود وحاضر. 
ذكّرنا محمود درويش بكلام نُشر على لسانه ولسان نجيب محفوظ في مجلة "أخبار الأدب" القاهرية يمتدحان فيه شخصية شمعون بيريز كرجل سلام. رد: حتى لا أظلم نجيب محفوظ، هو لم يمتدح بيريز، لكنه أجرى مقارنة بينه وبين شارون، وأي مقارنة بينهما تظهر بيريز أفضل. قال محفوظ إن بيريز أذكى والتعامل معه أسهل من التعامل مع شارون. وهذا كلام صحيح، لكن ليس هناك بيان مشترك بيني وبين محفوظ في امتداح بيريز. 
هذا بالنسبة إلى الواقعة، أما في المبدأ، فبرأيي انه يمكن للمثقف، أو حتى الفيلسوف، إبداء رأيه في الأمور اليومية. ما المشكلة؟ المثقف ليس فقط رجل نصوص كبرى. هو أيضا على علاقة يومية بالأشياء، ويمكن أن يبدي رأيا بحدث ما. أريد أن أحل المثقف من هذه القداسة. هو ليس مقدسا. 
 
لن أبقى ضحية 
 
وتحدث درويش عن أزمة المفاوض الفلسطيني والعربي، فرأى ان هناك إمكانية التوصل الى تسوية لا إلى سلام. وان الإسرائيلي يريد منك أن تحبه أولا، وأن تعمل معه تطبيعا وتقبل روايته التاريخية وشرعية وجوده، ثم بعد ذلك تتفاوض معه حول وقف إطلاق النار. 
إن مشكلة إسرائيل داخلية، تتمثل بأن عقل الدولة علماني والمجتمع متدين. الإسرائيلي يحتاج الى الدين من أجل إثبات الشرعية التاريخية، فهو لا يقول إن مشروعه كولونيالي استيطاني بل مشروع عودة. فالحق الديني لا يستطيع أن يتخلى عنه وهو يحتاج بجانب القوة إلى خطاب تاريخي يؤكد أنه عائد الى بلده وهذه العودة لا تؤمنها إلا المرجعية الدينية. من هنا ارتبط الخطاب العلماني والديني معا. والآن تقوى كفة الخطاب الديني، حتى أنك عندما تحادث علمانيا وتناقشه عن القدس يصبح متدينا. 
شلومو بن عامي أستاذ تاريخ وعلماني جدا وذو ثقافتين فرنسية وإنكليزية، لكنه في المفاوضات يصبح حاخاما ويقول إن تحت الهرم يوجد هيكل سليمان. 
ذات يوم قلت لهم في تصريح صحافي: لنفترض أنكم حفرتم وعثرتم على الهيكل، وعثرتم على سليمان وهو جالس مع بلقيس ويكتب فصلين من نشيد الأناشيد، ما العمل؟ ما الذي نفعله؟ مختصر الكلام ان الحرب الفكرية طاحنة الآن بين الديني والعلماني. 
أريد أن أوضح كي لا أُفهم خطأ إنني لست متفائلا جدا بنجاح اختراق الرأي العام الإسرائيلي والوعي الإسرائيلي. لكن من واجبنا أن نحاول وأن نعرّف بحقيقتنا وحقنا. فالسلام الذي أدعو إليه هو من أجل إنسانيتي وكي أفهم أنني لن أبقى ضحية، فلا يعنيني أن أكون دائما ضحية.
الوعي الإسرائيلي ليس ثابتا ونهائيا، بل متقلب. فقد كان هناك التفاف عظيم حول عملية أوسلو. الآن هناك تصلب تجاه المفاوضات، انه وعي مصنوع. فالإسرائيلي العادي يتشكل وعيه كل ليلة الساعة الثامنة مساء عبر القناة التلفزيونية الأولى. ما يقوله له التلفزيون والجريدة مقدس. 
لكن هل هناك مواطن إسرائيلي؟ يجيب: بعد أوسلو بدأ الإسرائيلي يستعد تدريجا للتحول من عسكري أو جندي، أي من العقلية العسكرية الى مدني ومواطن. لكن كلما ذهب في هذه المحاولة يأتي موضوع أمني أو حملة إعلامية إيديولوجية ضخمة تعيده الى الصورة الأولى والى المركز السابق. كان هناك فرصة أن يتحول الى مواطن، بمعنى المواطن المدني لا الجندي. نعم هناك مواطن لكن السؤال هل هو مدني أم عسكري. 
أما عن السلطة الفلسطينية، وعن طبيعة علاقتها بالناس فقال: ليس الشرطي في فلسطين هو الصورة الثابتة وإنما المقاوم. ليس عندنا دولة ولا روح عسكريتاريا وجهاز قمع، ولم نتحول الى دكتاتوريين حقيقيين. وهذا لا يعني انه لا يجب أن يكون عندنا دولة، أو يجب أن نستقر. 
يجب ألا ننسى ان هناك شهداء من رجال الأمن والشرطة، في لحظة الانتفاضة. قبل الانتفاضة كان الأمر مختلفا. 
عن صدمة العودة اعتبر درويش انه كان حاضرا لها وأنه ذهب إلى فلسطين متحررا من أي وهم. قال: ذهبت على أساس واجب وطني وليس بلهفة شخصية. لم تكن لديّ أوهام، وبالتالي لم أتعرض لصدمة حقيقية. 
وتابع: ما من أحد عاد وعودته كانت مشروطة، الذين عادوا عادوا بلهفة، ففي الخارج عذاب وضيق، وهم عادوا الى أرض الحلم ومن دون أي شروط. فلا شرط عليهم مثلا أن يؤيدوا أوسلو. 
 
موقف ضمير 
 
هل يعتبر محمود درويش قصيدة محمد الدرة مؤشرا لتحول الشعر الفلسطيني أو عودته الى الانفتاح على الشعر السياسي والوطني من جديد، بعد ما حدث منذ العام 1982 من ارتداد الشعب نحو الذات التي تحولت الى محور القصائد الفلسطينية والعربية... والى أي حد شكلت الانتفاضة من جديد منعطفا شعريا خصوصا إذا أضفنا ما حصل في الجنوب من نصر وتحرير؟ يجيب درويش: 
في المنعطفات يجد بعض الشعراء انه يجب أن يكون لديهم موقف ضمير أو أخلاق. يجب أن يسجلوا شهادتهم وانفعالهم مع حدث كبير، لكني لا أرى ان هذا يغير مسارا أو سياقا كاملا. قصيدة "محمد الدرة" ليست تحولا، فأنا أسير في سياق، وإذا وقع حادث معين جعلني أتوقف عنده، فإن ذلك لا يحسب تحولا، لأن سياقي واضح ومحدد وكبير بحيث استمر فيه. يعني لن أعود شاعر المقاومة بالمعنى الضيق للكلمة، أو شاعر وطني بالمعنى الضيق للكلمة أيضا. 
وأضاف: الانتفاضة يمكن أن تنتهي، ثم ان الانتفاضة مكتوبة في أدبياتنا من زمان. كذلك فإن تاريخ الشعب الفلسطيني هو تاريخ انتفاضات. فما حدث ليس بداية تاريخ أو نهاية تاريخ، ولا بداية مرحلة أو نهاية مرحلة، على مستوى تأثيرها الثقافي في الشعر. 
ورأى محمود درويش ما يدور في دواوينه الأخيرة من اتجاه نحو الذات سيرة وغزلا ومرضا، مجرد وقفة، يستمر بعدها، ولا يمكن أن يستمر من دون إنهاء هذه القصة مع نفسه. قال: أنا متورط مع محمد الدرة، داخليا، وليس بمعنى المطالبة الخارجية. يمكن أن نكون هناك إصغاء إلى مطالب خارجية. وهذا أمر موجود في لا وعيي، وفي وعي أي واحد فينا، لكن هذا الموضوع لا يشكل أسلوبية جديدة، ولن يغير مشروعي الشعري الذي أتابعه. فأنا أعرف ما لدي. 
واعترف درويش أن تعبير الشاعر السياسي أو الشعر السياسي كان يزعجه في السابق، لأنه كان يشكل عائقا لعلاقة الناس بشعره الجديد. قال: كنت أفرط في مكافحة صورتي القديمة لكي أسمح لنفسي بالتطور داخل الذائقة التي أراها، لكني حللت هذه المشكلة، وعلاقتي اليوم بالقارئ سليمة جدا. 
 
الجمهور صدقني 
 
ما أقوله قد تستغربونه، كلما تطورت أعمالي وتعقدت، بالمعنى النسبي، يزيد توزيعي. فتوزيع كتبي اليوم أفضل بكثير من الماضي. وهذا يعطيني ثقة ويقودني وبهذا المعنى فإن هذه الثقة التي تأسست مع القارئ، هي التي سمحت لي أن أطور شعري وتجربتي. فالقارئ صدقني وغفر لي كل شيء. وأنا لا أستطيع أن أفاخر بأي شيء، لا باستعارتي الشعرية، ولا بأي عمل تركيبي أنجزته، ولا بشاعريتي ولا بإيقاعاتي... لا أستطيع أن أفاخر بأي شيء، إلا بشيء واحد عندما استطعت أن أصل الى لحظة صار فيها القارئ يصدقني. هذا إنجاز كبير بل الأكبر، لأن ذلك خولني تطوير شعري ولولا هذه الثقة لكان الأمر مختلفا، ولكان القارئ كسرني. 
أرحت نفسي من ذلك التأزم بين النص القديم المطالب به وبين نزعتي الى نص جديد، ومن تلك الصفة التمثيلية. بذلت جهدا كبيرا لأقول إنني لست شاعرا سياسيا أو ناطقا رسميا. ومع ذلك لا أستطيع إلغاء الصفة الرمزية. ولهذا عليّ أن أجري تطابقا أخلاقيا بين صورتي عند القارئ كرمز وبين صورتي الشخصية والشعرية، أي عليّ أن أعثر على نوع من المصالحة. وأن أبذل جهدا أكبر لكي أضيّق التناقض بين الصورة التمثيلية والنزعة الشعرية. العلاقة بالجمهور تضيّق عليّ على مستوى العلاقات ومستوى حريتي الفردية، فأنا مثلا لا أستطيع أن أذهب الى بار أو إلى أي مكان يرتاده الناس العاديون. 
هذه العلاقة بالجمهور الذي صدق محمود درويش والملايين الذين يقرأون شعره تفرض عليه أيضا نوعا آخر من الحصار، فهي تطالب بذلك النوع من الشعر السياسي أو الشعر الحدثي، ولا تسمح له أن يغيب عن أي حدث كبير... لكنه يرد: أنا لا أكتب شعرا مباشرا. من سنين طويلة لم أكتب شعرا مباشرا. وقصيدة "محمد الدرة" ليست مباشرة. ولو قتل محمد الدرة قبل خمس سنوات هل كانت القصيدة صحيحة. فالمهم في كتابة القصيدة طريقة الاستجابة للحدث، لا فوريتها أو تأخرها، وهذه لا قاعدة لها، درب عمل فوري يكون أهم من عمل يأتي بعد سنين. 
 
ذاكرة مشتركة مع اللبنانيين 

أحببنا أن نختم مع درويش في معرفة مدى وجود لبنان في الداخل الفلسطيني، فأكد أن لا جامعة فلسطينية أو مدينة إلا وأقامت مهرجانا احتفاليا بمناسبة انتصار المقاومة اللبنانية. وكنت أنا أحد الخطباء في جامعة بيرزيت، وأظن ان هذا وصل إليكم. ولا أريد أن أقول إن الشعب الفلسطيني استعاد علاقته الفورية باللبنانيين، بل أكثر من ذلك، هو رأى في المقاومة اللبنانية مثلاً مهماً، بعيدا عن لغة "الشماتة" التي كنا نستمع لها في التلفزيونات. فتاريخ القتال اللبناني الفلسطيني المشترك في الجنوب لا يمكن أن ينسى بسرعة، ولا تذهب آثاره، فالشعب الفلسطيني شارك، والأمثولة الفلسطينية الفدائية أسست أيضا لتلك النزعة القتالية عند أخواننا اللبنانيين. 
الفلسطينيون واللبنانيون قاتلوا جنبا الى جنب فالتأثير متبادل والذاكرة لا تنسى وقائمة على مرجعية مشتركة. 
أما بيروت فما من أحد كتب عنها أكثر مما كتبت أنا. وقد ظن البعض ان في بعض ما كتبت عنها استحواذ، بينما اعتبر ذلك من قبيل رفع الكلفة وبعيدا عن ان يكون لديّ مشروع توطين شخصي (يضحك). وحين تكتب من أي مدينة تكتب على أنها مدينتك. لكن لأني فلسطيني تفسر كتابتي وكأني أحمل مشروع توطين فلسطيني.
 
محمود درويش 

ليست هناك نقطة يلتقي فيها الحد الأعلى الإسرائيلي مع الحد الأدنى الفلسطيني، وليست التسوية هي الصعبة بل العودة إلى المفاوضات أيضا
  • ما كتبته في سياق الانتفاضة، وليس عن الانتفاضة، تعبير عن الارتباط العضوي بين اللغة الشعرية ومرجعياتها الواقعية
  • أمام العنف على اللغة أن تفتر لكي يسمع همسها لأن ضجيجها لا يسمع، وقصيدتا "محمد الدرة" و"القربان" ليستا مجرد استجابة للواجب الوطني
     
  • كنت أظن أن الجدارية هي آخر ما سأكتب إذ لن أعيش بعدها لأكتب غيرها
     
  • في كل مجموعة شعرية أراقب بذورا قابلة للنمو في عمل قادم، فأنا أواصل العمل من التراكم لا من القطيعة
     
  • الجدارية هي بطاقة التعريف بي شعريا وإنسانيا ووصيتي للقراءة
     
  • علاقتي بالقارئ علاقة جدلية وحرة وفيها تجاذب، وهولا يشكل رقيبا على عملي أثناء الكتابة، لكنه يمنح نصي حياته المتجددة
     
  • لا تستطيع الذات الفردية أن تتحرر من ضغط التاريخ ومن ضغط الهوية ومتطلباتها، والشاعر الفلسطيني مطالب أكثر من غيره بالتماهي مع هويته لأنها مهددة
     
  • صرت قادرا على تطوير نفسي الشعرية بحرية أكبر دون خوف من صدمة أحدثها في ذائقة القارئ
     
  • ليس من حقي أن أجلس في مقهى، ولا أجرؤ على الذهاب إلى السوق لأن العيون الفضولية تحملق في محتويات سلتي
     
  • بعض الشعراء والإعلاميين رسموا لي صورة باذخة وبعضهم أتقن وصف قصوري وأزرار ثيابي الذهبية وسياراتي وكل ما يضخ الحرمان بالحرمان
     
  • أحاول دائما أن أكسر الصورة التي يرسمها لي الآخرون لأعيش حياتي في الظل لا في الضوء، ولأمارس إنسانيتي بدون ضجيج
     
  • عمليتي الشعرية ما زالت مفتوحة على آفاق لا أعرفها، وأنا في أوج لياقتي الشعرية
     
  • لا أعتبر الغنائية نقيصة شعرية كما يعتبرها بعض شعراء قصيدة النثر
     
  • حين أتأمل المشهد الشعري العربي أرى أن أبرز ظاهرة فيه، خلال العقدين الأخيرين ، هي تمكن قصيدة النثر من إثبات شرعيتها الإبداعية والثقافية، لكنها في حاجة إلى التحرر من التباس اسمها
     
  • لم أكتب قصيدة النثر لأني لم أشعر بأن الوزن يقيدني ويحجب عني حريتي في المغامرة والسرد واستيعاب لغة الحياة الحديثة
     
  • لنقد العميق يجعلني أفهم نصي بشكل أفضل لأنه يحيل النص إلى مرجعيات كانت متخفية في ذاكرة الكاتب، ويؤوله بطريقة لم تكن واضحة في وعي المؤلف، وكثيرا ما أفادني النقد في إعادة النظر بنواقصي
     
  • لست راضيا عن شعري لأني أكثر قلقا من الاطمئنان إلى المتحقق، ولأني انظر إلى اليوم بعيون الغد
     
  • أنا مترجم أكثر مما أستحق إلى الفرنسية، ومترجم أقل مما أستحق إلى الإنجليزية
     
  • لم أعد أحب السفر، ولا أسافر إلا لتأدية واجب، فقد تشابهت المدن ولم أنجح أصلا في أن أكون سائحا ولو ليوم واحد
حاوره فخري صالح
محمود درويش شاعر الملايين من العرب. هو شاعر جماهيري بالفعل يحتشد لسماعه عشرات الآلاف في كل مدينة، لكنه في الوقت نفسه شاعر صعب يلتقط منه جمهوره بعض الخيوط ــ المفاتيح ليفهم بعض الدلالات التي ينطوي عليها شعره. إنه شاعر إشكالي في علاقته بقرائه ما فتئ يطور نفسه منذ سنوات طلوعه الأولى على أرض فلسطين في نهاية الخمسينات، ومن ثم رحيله خارجا من الأرض المحتلة في بداية السبعينات ميمما شطر القاهرة ثم بيروت، ضائعا فيما بعد بين العواصم. هو الآن يعيش بين عمان ورام الله يجدل خيوط مشروع الشعري ويعترف بأن ولادته الشعرية الحقيقية كانت في منتصف الثمانينات. 
في هذا الحوار الجديد المختلف معه يكشف درويش عن علاقته بشعره، بقرائه، بأشكال الكتابة الشعرية، ويتأمل مساحة العلاقة التي تربطه ببعض إنجازه الشعري.
  • لنبدأ من اللحظة الراهنة، هل أنت متفائل بأن يحقق الشعب الفلسطيني بعضا من طموحاته الوطنية، وتصل التراجيديا الفلسطينية إلى فصولها الأخيرة؟ هل يحدس الشاعر في داخلك بإمكانية حل؟
    ــ في هذه اللحظة لا أرى في الأفق القريب، على الأقل، بوادر حل يلبي الحد الأدنى لطموحات الشعب الفلسطيني المتواضعة لأن الصراع، كما فتحه الإسرائيليون، هو صراع طويل يحاولون فيه الاستمرار في مشروع نكبة 48 كما قال ذلك صراحة أرييل شارون. وأما الفلسطينيون فهم يسعون لجعل هذه المعركة معركة الاستقلال. المهمة الأساسية هي توفير مقومات الصمود للشعب الفلسطيني في هذه المعركة الطويلة والمفتوحة على شتى الاحتمالات لكي نتمكن من فرض تسوية ممكنة لا سلام عادل، فأقصى ما يستطيع أن يقدمه الإسرائيليون، في ائتلافهم الحالي وفي جنوحهم الخطير إلى السلام (!)، لا يمكن أن يقبله الفلسطينيون. وأقسى ما يستطيع أن يقدمه الفلسطينيون لن يرضي الإسرائيليين. إذن ليست هناك نقطة يلتقي فيها الحد الأعلى الإسرائيلي مع الحد الأدنى الفلسطيني. ومن هنا فليست التسوية هي فقط الصعبة بل إن العودة إلى المفاوضات صعبة أيضا.
     
  • كتبت خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية قصيدتين اثنتين، "محمد الدرة" و"القربان". ثمة اختلاف في اللغة والطريقة التي تقترب فيها من الحدث. في الأولى قدر من المباشرة والوقوع تحت ضغط الواقعة التراجيدية الدامية، وفي الثانية عودة إلى أسطرة الحدث وتكثيف اللغة والتعبير عن حالة الفلسطيني في شرط وجوده المركب محشورا بين الإخوة والأعداء. هل أنت راض عما كتبته بعد "جدارية"؟
    ــ عليّ أولا أن أنسى الجدارية لكي أتمكن من التدرب على الكتابة. يجب أن نبدأ دائما من نقطة لا ينبغي أن تكون دائما تصاعدية. إن ما كتبته في سياق الانتفاضة، وليس عن الانتفاضة، هو تعبير عن الارتباط العضوي بين اللغة الشعرية ومرجعياتها الواقعية، وهو استجابة لتأثر عميق بمشهد اغتيال الطفل محمد على مرأى من ملايين البشر. لا تستطيع اللغة هنا أن تباري حجم الصدمة. عليها أن تكون كاميرا ثانية خفية متقشفة هادئة لتترك الأثر المطلوب. أمام العنف على اللغة أن تفتر لكي يسمع همسها لأن ضجيجها لا يسمع. حاولت في قصيدة "محمد الدرة" أن أكتب ما قد يكون قصيدة موضوعية خالية من ثراء بلاغي ومن استعارات جمالية. وتلك طريقة شائعة في الشعر الغربي أكثر مما هي شائعة في الشعر العربي، أي أن القصيدة تصور ولا تصرخ. أما "القربان" فبما أنها لا تصور حدثا محددا بل تصور حالة عامة، ولا شخص فيها له ملامح محددة، فكان لا بد أن تلجأ إلى استعارة كبيرة هي استعارة القربان، وأن تقف على الطقس القرباني ببلاغته الإنشادية. لكن لا هذه القصيدة ولا تلك تمثلان خروجا عن شغلي الشعري، كما أنهما لا تعدان بأسلوبية جديدة خارجة عن سياقي. إنهما استجابة لضغط الحدث التاريخي على اللغة الشعرية والضمير الشعري، وليستا استجابة للواجب الوطني كما قد يتبادر إلى الذهن. أما أن أقوم بتقويمهما فلا أتردد في عدم الدفاع الحار عن أدبيتهما أو جماليتهما. 
     
  • في "جدارية" تستعيد أبياتا شعرية ومطالع قصائد وموتيفات وردت في منجزك الشعري السابق. هل تحاول أن تعيد ربط قارئك بذلك المنجز، أم أن ضغط الموضوع الشعري، بالاقتراب من تجربة الموت، يجعلك تستعيد عالمك الشعري السابق تعبيرا عن التمسك بالحياة إذ أن "على الأرض ما يستحق الحياة"؟
    ــ في كل عمل جديد يمكن العثور على بذور هذا العمل في عمل سابق، وفي كل مجموعة شعرية أراقب بذورا قابلة للنمو في عمل قادم. إذن صحيح الانطباع بأن هناك مفاتيح قد تكون معروفة بيني وبين القارئ. وهذا ينطبق على معظم أعمالي فأنا أواصل العمل من التراكم وليس من القطيعة. أما في "جدارية" بشكل خاص فهناك تفسير سيكولوجي خاص لهذه المسألة. كنت أظن أن الجدارية هي آخر ما سأكتب إذ لن أعيش بعدها لأكتب غيرها. لذلك استعدت بعض تعابيري الشعرية الساطعة كنوع من تلخيص سيرتي الشعرية في تداخلها مع سيرتي الشخصية لأؤسس عليها الأسئلة الجديدة، باستعاراتها ولغتها وحتى بسرديتها، لاستكمال أكثر الموضوعات حضورا في الشعر منذ تفتح سؤال الإنسان الأول على الوجود. من هنا كنت أسعى لكي ألخص نفسي ولغتي ومرجعياتي في عمل واحد أرشحه للقارئ القادم كدال عليّ إذ لا وقت للقارئ ليقرأ الأعمال الكاملة لأي شاعر فكانت هذه الجدارية هي بطاقة التعريف بي شعريا وإنسانيا ووصيتي للقراءة.
     
  • هل يشكل قارئك عبئا عليك، وعلى رغبتك الدائمة في تطوير تجربتك الشعرية وريادة مناطق لم تبلغها قصائدك السابقة؟ هل تسمح له بممارسة الضغط عليك؟ بم ترشوه لكي يظل قريبا منك ويتركك تطور تجربتك كما تشاء لها أنت لا كما يشاؤها هو؟
    ــ علاقتي بالقارئ علاقة جدلية وحرة وفيها تجاذب، وهولا يشكل رقيبا على عملي أثناء الكتابة ولكنه موجود فيّ لأني أعي تماما أن كتابة بلا قارئ لا تحقق معنى، بمعنى أنها لا تستطيع أن تضمن حياتها في ظرف تاريخي مختلف. القارئ هو الذي يمنح النص حياته المتجددة، وبما أننا لا نعرف من هو القارئ فإن هذا السحر يبقى ضروريا، وأعني بذلك سحر أن يكون القارئ المجهول كاتبا مجهولا لنص معروف. 
    أدرك جيدا أن سؤالك يحمل مستوى آخر هو صورتي لدى القارئ أي صورتي النمطية التي يتوقع منها هذا القارئ أن تكون مخلصة وفية في مرآته، أي أن أبقى أسير التعريف لأنني شاعر فلسطيني. وهذا التعريف يعني أن يعرّف الشاعر الفلسطيني بأنه ذلك الشاعر المتخصص في موضوع واحد هو فلسطين. ليس الشاعر الفلسطيني، بحسب هذا التعريف، هو من يحمل ذاتا فردية تحكي إنسانية الفلسطيني، تحكي هشاشته وضعفه وخوفه وقلقه كمركبات من شخصيته المقاومة، فالبحث عن إنسانية فعل المقاومة، أي ما وراء الصورة النضالية من حياة شخصية، هو مجال عمل الشاعر. ولكن هل تستطيع هذه الذات الفردية أن تتحرر من ضغط التاريخ ومن ضغط الهوية ومتطلباتها؟ كلا، ولكن تلك ليست خاصية فلسطينية. إنها خاصية أدبية وإنسانية عامة، مع الاعتراف بأن الفلسطيني، شاعرا، مطالب أكثر من غيره بالتماهي مع هويته لأنها مهددة، ومع وطنه لأنه ليس محررا. وهكذا يتداخل سؤال الحرية مع سؤال الإبداع في توتر عال يمتحن خبرة الشاعر والتزامه الحر بسؤاله الجمالي وفاعلية هذه السؤال في المجتمع. إذن أن يكون المرء شاعرا من فلسطين هو شيء أصعب من أن يكون شاعرا من مكان آخر. ولكن أما آن الأوان لأن ينظر النقد إلى الإنجاز الشعري الفلسطيني بمقاييس أدبية عامة، ويرى إلى مكانة هذا الإنجاز في مشهد الشعر العربي، دون أن ينشغل بالتدقيق في جنسية هذا النص؟ فمن المعروف أن النص، الذي هو نتاج ظرفه التاريخي، يحمل حال تشكله استقلاله الذاتي باعتباره أدبا، أي متى يقترب النقد أكثر من قراءة أدبية الأدب باعتباره أدبا؟
  • هل تفكر بصورتك في أذهان قرائك؟ هل تضطر إلى تقديم بعض التنازلات لتظل هذه الصورة ناصعة لا تشوبها شائبة؟
    ــ فنيا لا، فقد أفخر بإنجاز واحد حققته في مسيرتي الشعرية وهو اكتساب ثقة القارئ منذ شعرت بأن القارئ يصدقني، أي أنه لا يعتبر الشعرية الجديدة خروجا عن جوهري الإنساني والوطني. صرت قادرا على تطوير نفسي الشعرية بحرية أكبر دون خوف من صدمة أحدثها في ذائقة القارئ الذي عودته على أن يقبل مني الجديد دائما فلا يطالبني بالقديم إلا بدلالة واحدة هي أن كل جديد، فور تحققه، يصبح قديما. الآن مثلا عندي خشية من إمكانية عدم قدرتي دائما أن ألبي توقعات القارئ التجديدية. 
    أما الصورة التي أحافظ عليها ولا أريد أن أخدشها فهي صورة سلوكي العام. إن هذه الصورة هي التي تقيدني، إذ ليس من حقي أن أجلس في مقهى، ولا أجرؤ على الذهاب إلى السوق إذ أن العيون الفضولية تحملق في محتويات سلتي. لذلك أحيط نفسي بصورة غياب، بعزلة ما ضرورية لي، لا للكتابة فقط بل لتحاشي الخطأ الاجتماعي أيضا. ولا تنس أن بعض الشعراء والإعلاميين قد رسموا لي صورة باذخة دونجوانية مجونية، وبعضهم أتقن وصف قصوري وأزرار ثيابي الذهبية وسياراتي وكل ما يضخ الحرمان بالحرمان. فما دمت احتل مكانة ما فلا بد لي إذن من أن أتمتع بما تمتع به هارون الرشيد. هكذا يصورني الخيال المريض.
     
  • أنت شاعر جماهيري، بمعنى الانتشار الواسع والقدرة على استقطاب أعداد كبيرة من المستمعين والمحبين لشعرك. فهل كان في ذهنك عندما كنت في البدايات أنك ستقيم في دائرة الضوء منذ مطلع شبابك وحتى هذه اللحظة؟
    ــ لا. إن ما أنا فيه الآن ليس نتيجة خطة أو مشروع أو حلم. صحيح أنني كنت منذ الطفولة أحلم بأن أكون شاعرا لأني كنت منبهرا بالشعر أكثر مما أنا منبهر به الآن. وكنت أرى إلى صورة الشاعر باعتبارها صورة الفارس العاشق المتمرد الذي يسكن الريح فبدأت مبكرا أقلد هذه الصورة، أي بدأت ألعب. ولم يخطر ببالي أن هذا اللعب سيصبح جديا إلى هذا الحد، وأنني سأصل إلى وقت أهب فيه لمقاومة هذه الصورة. فمن المعروف أنني أحاول دائما أن أكسر الصورة التي يرسمها لي الآخرون لأعيش حياتي في الظل لا في الضوء، ولأمارس إنسانيتي بدون ضجيج، وأكثر من ذلك لأطور حلمي الدائم بالعادي، بالطبيعي، لا بالبطولي الأسطوري، فبطل الشعر الحديث الحقيقي ليس البطل بل هو الإنسان النكرة الذي يأخذ الحياة كما هي ويعيشها كما هي من غير أن يثقلها بالمعاني الكبرى. لكن هل هذا ممكن في شرطي التاريخي؟ إن تحول الأسطوري إلى واقعي، وجعل الواقع أكثر واقعية، وتحول البطولي إلى بسيط، يحتاج إلى كثير من البطولات وإلى الكثير من تحطيم الأساطير وبناء أساطير أخرى، فقد زج بنا منذ البداية، ونحن ندافع عن جغرافيا وجودنا الراهن، في معركة تدور حول شرعية الإقامة في تاريخ الماضي!
  • كتبت "سرير الغريبة" قبل "جدارية". المجموعة الأولى عن الحب والثانية عن الموت، هل ثمة وشائج بين المجموعتين؟ هل كتبت الثانية وفي ذهنك الأولى؟
    ــ الثانية، أي "جدارية"، لم تكن جزءا من سياق محدد بل كانت استجابة لحدث كبير طارئ جرى في حياتي، وهو حادث مرضي وعمليتي الجراحية الخطيرة التي وضعتني عمليا في مواجهة مباشرة مع الموت. الموت مضى في سبيله أما سؤاله فقد اخترقني. إذن من ناحية زمنية إبداعية لم يجرّ سؤال الحب سؤال الموت، لكن السؤالين متجاوران لأن سؤال الحب دائما يستدعي سؤال الموت وسؤال الموت يستدعي سؤال الحب باعتبار الحب شكلا من الموت العابر من جهة وشكلا من أشكال مقاومة الموت والانتصار عليه من جهة أخرى لأن سؤال الحب هو سؤال البقاء الإنساني، وربما يكون سؤال الخلود. العلاقة إذن متخفية، لكن المصادفة قد أعلنتها.
     
  • يقول بعض النقاد إنك بلغت ذروة إبداعك الشعري في مجموعتك الشعرية "أحد عشر كوكبا". أولا هل توافق على ذلك؟ وثانيا ما هي علاقتك بهذه المجموعة بالقياس إلى علاقتك بما سبقها وما لحقها من مجموعات شعرية؟
    ــ ليس مهما أن أوافق أو لا أوافق على المكانة التي يضع فيها النقد، أو بعض النقاد، مجموعة "أحد عشر كوكبا". الأهم بالنسبة لي هو أن عمليتي الشعرية ما زالت مفتوحة على آفاق لا أعرفها، أي أنني أحس بأنني في أوج لياقتي الشعرية. بيد أنني أفهم توقفك عند "أحد عشر كوكبا" لأن فيها تجلي شكل غنائية الملحمية، هذا الشكل الذي حدده إيقاع التعامل مع التاريخ وبالذات مع تاريخ تحولين كبيرين في حياة الإنسانية وفي ثقافتنا العربية، وهما الحدثان اللذان وقعا في عام واحد (1492) حيث تكثف التاريخ بمأساوية عالية. الحدث الأول هو اكتشاف أمريكا نتيجة الخطأ الذي ارتكبه كريستوفر كولومبوس. والحدث الثاني هو سقوط غرناطة وبداية الخروج العربي العملي والثقافي من تاريخ الغرب، أي الخروج من الأندلس. 
    احتلني وأنا أقرأ هذا التاريخ، من مراجعه المختلفة، إحساس بأن الخروج لم ينته، فما زلنا نواصل الخروج من تاريخنا ومن تاريخ الآخر حتى الآن. وعلى وقع الطريقة التي لا نستطيع إلا أن نسقط بها بعض الدلالات التاريخية على الحاضر امتلأت هذه المجموعة بتحركات حوافر التاريخ وتركت هذا الصدى الغنائي الملحمي.
     
  • لجأت في عدد من مجموعاتك الشعرية، "هي أغنية، هي أغنية" و"ورد أقل"، إلى كتابة قصائد قصار تعتمد التكثيف والإيجاز، وأنت الشاعر الذي يعد الملحمية سمة شعره الأولى، كما أن قصيدته تعتمد البناء السيمفوني المعقد وتشارك في عزفها آلات كثيرة إذا استخدمنا بعض المجاز الموسيقي. هل كانت هذه القصائد وليدة شرط تاريخي محدد، أم أنك تجرب طاقتك الشعرية التي لا يحدها الشكل والأسلوب؟
    ــ من المعروف أنه لا يمكن كتابة الملحمة في العصر الحديث، فالملحمة هي كتابة سيرة قومية وقعت وانتهت. الممكن هو استخدام النفس الملحمي في الكتابة الشعرية فمنذ انتهاء الملاحم الشعرية أصبح المسرح الشعري مفتوحا أكثر للغنائيات التي تتحدث فيها الأنا عن نفسها وعن محيطها وتاريخها. والأنا متعددة. في كل أنا أنوات كثيرة, ومن هنا لا حد لثراء الشعر الغنائي. أنا شاعر غنائي، ولا أعتبر الغنائية نقيصة شعرية كما يعتبرها البعض من كتاب قصيدة النثر رغم أن قصيدة النثر قصيدة غنائية. لذلك من الطبيعي أن أكتب هذا الشعر القصير المكثف حين يطلب الصوت الفردي فيّ الكلام، وحق الكلام في الشعر هو لهذا الصوت حتى لو أراد هذا الصوت أن يتكلم من خارجه أو يتكلم باسم الجماعة، فلا بد للخارج أو للجماعة من أن يمرا عبر صوت الأنا لتصدرهما الأنا، من بعد، إلى خارجها. 

    لا تحتوي المجموعتان، اللتان ذكرتهما، وحدهما على قصائد غنائية بل إن مجموعة "لماذا تركت الحصان وحيدا" تتضمن مثل هذه القصائد الغنائية، وحتى لو مر صوت الشاعر فيها عبر الأساطير واصطدم بالتاريخ وحاور الملحمة فإن القصيدة تتقدم بصوت المتكلم الذي يخترق كل الأشكال الشعرية من كلاسيكية إلى سردية، إلى غنائية حديثة.
     
  • ما قصدته بسؤالي السابق أنك كتبت تلك القصائد بعد الخروج الفلسطيني من بيروت عام 1982، فهل ارتبطت كتابتك لمجموعتي "هي أغنية، هي أغنية" و"ورد أقل" بذلك الشرط التاريخي؟ 
    ــ لا شك في ذلك. اعترف بأنه على الرغم من أن صورتي الشعرية العامة تشكلت في الستينات والسبعينات إلا أنني قادر دائما على نقد نفسي، ودائم المراجعة والقلق تجاه ما كتبت وما أكتب، دون أن يعني ذلك بأي حال من الأحوال اعتذارا، أو ندما، فليس المرء مسؤولا عن مروره في السن الطبيعية، بالطفولة الشعرية والمراهقة والكهولة، فلكل تجربة أدواتها التعبيرية وأسلوبيتها. أما وقد طرحت هذا السؤال فلا أتردد بالاعتراف بأن ولادتي الشعرية الحقيقية قد بدأت في منتصف الثمانينات، وكانت الكتب التي أشرت إليها هي التعبير عن الانتباه إلى أن الشعر لا يستطيع الانفصال عن الواقع. لكن الطريقة الأدبية للتعبير عما يتركه الواقع فينا من آثار تتطلب أن لا نقول في الشعر ما يمكن قوله في غير الشعر.

     
  • بالمعنى السابق هل حاولت كتابة قصيدة النثر، رغم أن الإيقاع الوزني يهيمن حتى في نثرك؟ وهل تظن أن قصيدة النثر استطاعت أن تضيف الكثير إلى تجربة الشعر العربي المعاصر؟
    ــ دعني أبدأ من الشطر الثاني من السؤال. نعم قصيدة النثر أسهمت، أكثر مما نتصور، في طرح أسئلة على عمود الشعر وعلى تفرعات هذا العمود، على تفرعه الأبرز وهو ما أصبح يسمى بالتفعيلة. وحين أقرأ، وأنا أقرأ كثيرا بل كلّ ما يصدر من شعر، وحين أتأمل في المشهد الشعري العربي المعاصر أرى أن أبرز ظاهرة فيه، وخلال العقدين الأخيرين بخاصة، هي تمكن قصيدة النثر من إثبات شرعيتها الإبداعية والثقافية معا، وأنها في حاجة إلى أن تتحرر من التباس اسمها. عليها أن لا تقبل بعد الآن أن تستمد شعريتها من النثر. يجب أن تسمى شعرا فقط فالشعر شعر وهو لا يعرّف بالوزن. لكن الشعر في الحالتين لا يحيا ولا يعرف إذا جرد من الإيقاع. وإذا كان لا بد لي أن أبدي ملاحظة فهي أن على بعض شعراء قصيدة النثر أن يخففوا من الانشغال بنظريتهم الهجومية، المتحولة أحيانا إلى أيديولوجيا، لأن الشعر لا يتحقق في النظرية بل في الإبداع نفسه. وفي وسع قصيدة النثر، أو ما يسمى كذلك، أن تتسع لإيقاع الحياة المعاصرة وللسرد وللإنشاد أكثر. عليها أن تتحرر تماما من تعريف سوزان برنار القديم لها لأن لها من إمكانات السرد الإنشادي أو الإنشاد السردي، إذا جاز التعبيران، أن تأخذ الشعر العربي إلى رحلات خصبة في براري اللغة والتجربة الإنسانية والتاريخ، أي أنها تستطيع أن تكون ملحمية أكثر. 

    أما أنا فلم أكتب قصيدة النثر لأني لم أشعر بأن الوزن يقيدني ويحجب عني حريتي في المغامرة والسرد واستيعاب لغة الحياة الحديثة وشعرية النثر أيضا، والحوار داخل النص الشعري. 

    أنا مؤمن بالنظام. لكل فن نظامه. لكل جنس أدبي نظام، وللشعر نظام يحدده الشاعر نفسه وفق رؤاه ومنظوره الثقافي وإيقاعاته الداخلية. وأنا لا أستطيع أن أعمل خارج نظامي الخاص الذي أسعى إلى تجديده باستمرار. أما اللانظام والفوضى فقد يصعبان علينا تعريف الجنس الأدبي. صحيح أن هنالك من يدعون إلى كسر الحواجز بين الأجناس، ولكن كسر هذه الحواجز لا يعني إلا إقامة نظام آخر لجنس آخر. وحين أشعر أن نظامي ضاق على الأوزان، وأنني لن أجد حريتي التعبيرية إلا في النثر، فلن أتردد في اللجوء إلى هذا الشكل الآخر.
     
  • لماذا لم تضمن "خطب الدكتاتور"، التي نشرتها في الثمانينات في مجلة "اليوم السابع"، أيا من دواوينك؟ ألا تعدها شعرا؟
    ــ كلا، لا أعد هذه النصوص شعرا بل هي، كما سميتها، نثر موزون مقفى.
     
  • رغم شهرتك فإن ما كتب عن تجربتك الشعرية من نقد قليل، من وجهة نظري. هناك رسائل جامعية كثيرة لكنها لا تنظر إلى تجربتك ضمن رؤية نقدية عميقة. بالمناسبة هل تعتقد أن علاقتك بالنقد صحية، هل هي متوترة؟
    ــ من جهة من؟ هل التوتر فيّ أم في النقد؟
     
  • أقصد من جهتك.
    ــ من جهتي أنظر إلى النقد نظرتي إلى حاجتي للتعلم لأن النقد قادر على رؤية وتأويل ما لم يره المؤلف في نصه. النقد العميق يجعلني أفهم نصي بشكل أفضل لأنه يحيل النص إلى مرجعيات كانت متخفية في ذاكرة الكاتب، ويؤوله بطريقة لم تكن واضحة في وعي المؤلف. النقد يشرح للنص تاريخه. كثيرا ما أفادني النقد أيضا في إعادة النظر بنواقصي من خلال مديحه لهذه النواقص فالإفراط في القراءة الإخبارية لبعض النصوص يثير فيّ شكوكا حول دقة تعبيري كأن أقول "ما كان ينبغي لي أن أفتح الباب لمثل هذه القراءة" فأنا المسؤول إذن عن مثل هذا التبسيط، وأحيانا لا أكون مسؤولا عن ذلك. من هنا يعلمني بعض النقد أن أغلق بعض النوافذ التي تسهل مثل هذه القراءة المتسرعة. 

    لكن في الإجمال لا يمكن أن نتكلم عن النقد بالمعنى العام، فما لا يعنيني نوعان من النقد: النقد المدرسي الذي يبسط الدلالة ولا يميز بين صورة الشيء وطيفه، ويشرح القصيدة شرحا بلاغيا مدرسيا، هنا استعارة وهنا كناية وهنا معنى وهنا مبنى..إلخ. والنقد الثاني الذي لا يعنيني هو النقد السياسي المباشر الذي يفسر الأندلس بأنها مؤتمر مدريد، ويخلط بين غرناطة 1492 وأوسلو 1993.
     
  • هل أنت راض عموما عما يكتب عن شعرك؟
    ــ أفضل إجراء تعديل على السؤال: هل أنت راض عن شعرك؟
     
  • هل أنت راض عن شعرك؟
    ــ كلا.
     
  • لماذا؟
    ــ لأني أكثر قلقا من الاطمئنان إلى المتحقق، ولأني انظر إلى اليوم بعيون الغد.
     
  • كيف تنظر إلى حضورك الشعري في اللغات الحية؟ هل أنت مترجم بصورة كافية وداخلٌ في نسيج تلك اللغات بصورة من الصور؟
    ــ في بعض اللغات، كالفرنسية مثلا، أنا مترجم أكثر مما أستحق. وفي بعضها، كالإنجليزية مثلا، أنا مترجم أقل مما أستحق. 
    إن السؤال عن مكانة الشعر العربي، المترجم إلى اللغات الأخرى، هو سؤال شائع وخادع فالعالمية لا تعني الترجمة. العالمي أساسا هو العالمي في نصه الأصلي بمعنى أن يحمل في نصه الأصلي سمات إنسانية تعني قارئا من خارج هذه اللغة، أي أن يحمل مشتركا منطلقا من خصوصية محلية. وإذا كان لا بد من الإجابة على السؤال حول مكانة الشعر المترجم فأنا لا أبني استنتاجات حول المبيعات. المهم هو التساؤل عن مدى اختراق هذا الشعر نسيج الحياة الثقافية في البلدان الأخرى. 
    صورة ومكانة الأدب العربي لا تختلف عن صورة ومكانة العالم العربي في العالم. فإذا كنا هامشيين إلى هذا الحد فكريا وسياسيا فكيف نكون جوهريين إبداعيا؟ صحيح أن لنا قراء لا نعرفهم، ولكن الكلام عن حضور في التكوين الشعري العالمي ما زال كلاما متسرعا وسابقا لوقته.
     
  • هل تعد نفسك شاعرا مؤثرا في آخرين، في جيل الشعراء الطالعين في السبعينات وما تلاها من عقود؟ وهل تعد تأثيرك مخصبا لهذه التجارب؟
    ــ إن الإفراط في التواضع هو شكل من أشكال الغرور. لن أتواضع لأنفي حضوري في تجارب شعرية مجايلة ولاحقة، فهذا الأمر واضح لعين القارئ العادي. إن التأثر والتأثير أمران طبيعيان، والكتابة هي دائما كتابة على كتابة، ولا ينجو أحد، كما لم أنج أنا من التأثر بمن سبقوني. التأثر يخصب إذا استطاع المتأثر أن يصوغ صوته الخاص الخارج من عدة أصوات قديمة وحديثة، فلا أحد يولد من فراغ ليقول إنه لم يتأثر. الذي لم يتأثر هو الذي لم يقرأ، الشاعر الذي لا يقرأ لا يستطيع أن يكتب. المهم ما يأتي في المحصلة.
     
  • هل تحب السفر؟ هل تمل المكان، وإذا خيرت للإقامة في مدينة معينة فأي مدينة فلسطينية تختار، ولماذا؟
    ــ لم أعد أحب السفر. لا أسافر إلا لتأدية واجب، فقد تشابهت المدن، ولم أنجح أصلا في أن أكون سائحا ولو ليوم واحد. من الطائرة إلى الفندق إلى قاعة المؤتمر، وبالعكس. أما إذا خيرت أن أعيش في مدينة فلسطينية، ولن أخيّر، فربما ما زلت أحب حيفا أو عكا.

 

Close
تصميم وبرمجة انترتك - تصوير أسامة السلوادي
بدعم من : اللجنة الوطنية الفلسطينية للتربية والثقافة والعلوم