مؤسسة ومتحف محمود درويش
الشاعر الأعمال الكاملة
المتحف أنشطة وفعاليات الإعلام
ركن الهدايا
مؤسسة محمود درويش
اتصل بنا
En
حوارات »  

محمود درويش: لعنة اللاجىء ليست فقط خارج فلسطين- حاوره سامر ابو هواش

المستقبل

ممتع هو الجلوس مع محمود درويش والتحادث معه، ليس لأنه شاعر فلسطين واسمها الآخرفحسب ، ولا لحضوره الرمزي الكبير عربياً، ولكن ـ ويجدر قول ذلك احياناً ـ لأنه شخص ممتع. التقيته في غرفته في الفندق خلال زيارته الاخيرة الى بيروت حيث اقام امسية وكرّم في جامعة البلمند، وكانت المرّة الثانية التي التقيه فيها هناك. استقبلني بالطريقة نفسها، بالكرم الشخصي نفسه، الذي يسقط هيبة اللقاء ويدخل محلّها نوعاً من الخفّة اللطيفة، من "أهلاً وسهلاً" التي يقولها غامرة عالية الى طريقة المصافحة، يقول لك محمود درويش انك بتّ صديقاً، وبالاحرى يحثك على انشاء علاقتك به على هذا النحو. بعد ذلك يشرع في حديث يريده عاديا، يسألك عن نفسك، عن بيروت، عن بعض الاصدقاء، ويحدثك عن نفسه، وعن بيروت وعن بعض الاصدقاء. يجلس على الكنبة نفسها التي جلس عليها المرّة السابقة، وكأنه اعتاد طويلا الجلوس عليها، وكأنه يجعلها كنبته، مفتاحه الى غرفة غريبة في فندق غريب، وهذه اظنها من عادات درويش التي تعلمها خلال اسفاره وترحالاته الكثيرة، اي كيف يألف الامكنة الغريبة ويروّضها. إذ وعلى الرغم من عمومية درويش، اي كونه شخصا عاما بامتياز، وربما بسبب ذلك، فإنه يحرص على اظهار هذه الناحية الشخصية، فالرجل هو ايضا رجل عزلة، وهذا ربما احد اسراره، اي ان يكون قادرا على حمل نفسه، ونفسه وحدها، ليشكّل منها اينما وجد، ومهما كانت فترة اقامته قصيرة وعابرة، ما يشبه شرنقته الخاصة، عالمه الخاص، فرديّته.
في مقابلتي الاولى معه تحدثت ودرويش في السياسة، في الراهن الفلسطيني الفارض حضوره عليه وعلينا، والارجح ان درويش خلال لقاءاته الكثيرة تحدّث كثيرا في السياسة حتى تعب. يسألني ما اذا شاهدت حوارا تلفزيونيا كان اجراه قبل يومين "كان فيه الكثير من السياسة، اليس كذلك؟" يسألني، "لكن كان فيه الشعر ايضا" اجيبه وكأنني اطمئنه الى ان السياسة لم تحتكر كلّ شيء مثلما تهدّد دائما ان تفعل.
يأتي المصوّر، تبدو على وجه درويش علائم اللاارتياح. يحب درويش صوره ويسألك باهتمام عنها، لكنه لا يجد نفسه ملائما للتصوير "أتعرف انني ولا مرة شعرت ان وجهي تحبّه الكاميرا... اشعر انني تحت وطأة سلوك رسمي له متطلبات التخاطب بالفصحى مثلا"، اخرج آلة التسجيل فـ"تكمل" معه "هل ضرورية هذه .. الا نستطيع التحدّث من دونها؟" "بلى، نستطيع ان ننسى وجودها" اجيبه. "حسنا، سنتحدث اذا بالعامية".
طوال ساعات ثلاث تحدثت ودرويش حتى نسينا انا وهو اننا نجري حديثا صحافيا، غابت الشمس وحلّت العتمة في الخارج، ومع هذا التبدّل في الطقس تبدّلت نبرة درويش، خفتت، ودخل على وجهه شيء من العتمة الآتية من الخارج، قبل ان ينتبه الى اضاءة المصباح الكهربائي الآخر في الغرفة.
محمود درويش قامة شعرية وإنسانية كبيرة، تخرج من الحديث معه بصداقة تدرك انها باتت اعمق واجمل واقل رسمية، يعزّزها بنفسه لحظة وداعك "هات قبلة". قبلة على الخد، تشبه مصافحة، تترك بصمات لا تمحى على الكف والقلب معاً.
لاحظت من خلال قصائدك الكثيرة ان والدتك حاضرة اكثر من ابيك، او بالاحرى هذا هو الانطباع العام، نشعر اننا لا نعرف اباك بقدر ما نعرف امك، ماذا عن العلاقة بالأب؟
ـ احب ان اصحّح هذا الانطباع، فأبي حاضر حضورا واضحا ومبكرا في شعري، حضورا مرافقا لحضور والدتي، مثلا في "عاشق من فلسطين" هناك قصيدة مهداة اليه، "نهاني عن السفر"، في "ارى ما اريد" هناك مرثية طويلة له "ربّ الايائل يا ابي"، وفي "لماذا تركت الحصان وحيدا" هناك ثلاثية حوار بين الاب والابن خلال الهجرة الاولى الى لبنان. فمن ناحية الكمية هو حاضر اكثر، او على الاقل حاضر بشكل مواز لحضور امّي.
علاقتي بأبي كانت، وكما يقول شعري، علاقة يلتبس فيها من هو الاب ومن هو الابن، وهذا اقوله في "ربّ الايائل يا ابي". كان ابي رجلا خجولا جدا يعاملنا بمسافة، وكان ايضا رجلا حزينا، لأن هموم الحياة انقضّت عليه باكرا جدا حيث انتقل من مالك ارض الى عامل في ارض، وحمّل اعباء عائلة كبيرة، وهو من طبعه انه لم يوبّخ احدا منا. بينما الشخصية الاقوى في البيت، والتي كنت اعتبرها عنيفة الى حد ما، هي والدتي، وكنت اعتقد طفلاً، ونتيجة ما كنت اعتبره معاملة قاسية منها، انها لا تحبّني، وبقيت هذه الفكرة معي الى ان سجنت للمرّة الاولى، وعندها ادركت انها تحبني، بل ادركت كم تحبّني.
في اية حال لم يكن سلوك امي او ابي بالمستغرب، اذ من عادات القرويين في ذلك الزمن ألا يعبّروا عن حبهم وعواطفهم تجاه بعضهم بعضا، لم يكن اعتياديا، كما نرى اليوم، ان يعبّر الاب والام عن حبهما لأبنائهما، وكأن الحبّ عيب، امر ينبغي اخفاؤه في المناطق القصية من المشاعر.
ليس هناك كلمة "احبك" مثلا؟
ـ اطلاقا. هذه الكلمة لم اسمعها حتى الآن لا من امي ولا من ابي. حتى في طفولتي لا اتذكرها. بالتأكيد قالوها لي وانا اصغر من ان اعيها. وهذا الخجل بين ابي وابنائه توارثناه نحن الابناء. فنحن الاخوة لا نحكي مع بعضنا في اي قضية شخصية او حميمية، نحكي في القضايا العامة، عائلة خجولة جدا. وعلى سبيل المثال لاحظت ان بنات اخي الاكبر يشتكين لي انه لا يحكي معهن ولا يتدخّل في شؤونهن، هو مدير المدرسة التي يتعلّمن فيها، ولكنه لا يساعدهن ولا يسألهن عن دروسهن، ولا يحدّثهن في امورهن الخاصة، نوع من الانفصال العاطفي، لكنه لا يعني ان اخي غير عاطفي، لكن ليس هناك تعبير عن العاطفة، اضافة الى انه وبسبب موقعه كمدير مدرسة يضطر الى ان يكون محايدا. هذا النوع من العاطفة المكبوتة اظن انه من ميراث ثقافة قروية عربية، وبالنسبة الى الوضع الفلسطيني تجده يتفاقم، اذ يكون الاهم بالنسبة الى الاب مثلا ان يحمي اولاده وهذا يتضمّن احيانا ان يفرّ بهم الى اماكن آمنة كما حصل في هجرتنا الاولى، وان يؤمّن لهم حياتهم، اي ان يضطلع بمسؤولياته كأب، ويأتي ذلك غالبا على حساب العاطفة المباشرة. لكن كما قلت لك علاقتي بأبي نمت لاحقا، مع تقدّم وعيي، وحيث بت قادرا على فهم حكاية ابي، والنفاذ منها الى عالمه الداخلي، هذا الفهم الذي ترجمته شعرا.

الجد

في غياب هذا النوع من العلاقة بالأم والاب، ألم يكن هناك من هو قريب منك عاطفيا، الخالة او الخال مثلا؟
ـ جدي كان الاقرب الي، واعتبره ابي الروحي والعاطفي. كان يدلّلني صغيرا، ويصطحبني معه اينما يذهب، هو اخذني الى عكا والى القرى المجاورة، وكان يصطحبني معه ايضا الى منزل صديقه الاعز وهو خوري القرية، وكان يجلسني في مجلسه، وهو مجلس جليل ضخم في غرفة مغلقة وكانت ممتنعة على الآخرين، وكان في هذه الغرفة كتبا تراثية، وكان يفتخر جدي بكوني استطيع القراءة وانا في تلك السن المبكّرة، قرابة ست سنوات، ويجعلني اقرأ امام اصدقائه وجلسائه، وكان يهديني الكتب احيانا. وهو مثلا من جعلني اقرأ حكايات غاليفر و اوليفر تويست، واهداني مجموعة شكسبيريات مبسّطة للاولاد، وكان كلّما ذهب الى المدينة يحضر الي هدية كتابا.
كان يتوسّم فيك شيئا؟
ـ لا اعرف، لكنه كان يفرح بقدرتي على القراءة، وحين هاجرنا الى لبنان وكان معنا، كان يعطيني الصحيفة كي اقرأها بصوت عالي.
هل كتبت شيئا لجدّك؟
ـ بطريقة غير مباشرة في السيرة، وجميع العلاقات على هذا المستوى عبّرت عنها في هذه السيرة الشعرية ولا سيما "لماذا تركت الحصان وحيدا؟".
كيف تصف نفسك في تلك المرحلة المبكرة، هل كنت هشا او ضعيفا بين الاولاد، هل كنت تخجل من نفسك مثلا؟
ـ لم اكن مشاغبا، كنت سليط اللسان وسريع البداهة وهاتان صفتان اخذتهما عن امي، لكنني جسديا كنت ضعيفا، وكان هذا يرشحني دائما للتعرض الى اعتداءات من اولاد آخرين. حين ولدت كنت ضعيفا جدا وكان يفترض الا اعيش وقال الطبيب ان حياتي لن تستمر الا اياما. فكنت اتصدى للاولاد بسلاطة لساني، وبما افترضته تفوقا عليهم في منطقة بعيدة عنهم، اي من خلال القراءات، كنت احاول التميز عنهم بأنني غير مشغول مثلهم بالالعاب، وأذكر مثلا انني قرأت باكرا طه حسين، وكان هاجسي الاول اثبات وجودي بتفوق ذهني لأنني لا املك امكانية المبارزة على المستوى الجسدي.

ذكريات جارحة

هل لديك ذكريات جارحة او قاسية من تلك المرحلة، اعني أن هناك ذكريات من الطفولة ترافقنا طويلا، وهذه عادة لا ينتبه اليها الكبار باعتبار انها هامشية او اعتيادية؟
ـ بين ذكرياتي الجارحة اذكر ذات مرة حين كنت عائدا من المدرسة حين اوقفني ولد في صف اعلى مني وضربني بلا اي سبب او مقدمات. شعرت بالانسحاق، لا الالم، بل الاهانة، ومما زاد شعوري بالاهانة انني غير قادر على الرد عليه لأنه اكبر واقوى مني..وعيي هذا الامر كان يؤلمني، وما انقذني من هذا الموقف هو احد المعلمين الذي كان مارا من هناك فأخذني من يدي وحاول ان يواسيني.
ما يؤلم في حالة كهذه هو الانكشاف، اي انكشاف الضعف امام الآخرين وافتقاد الادوات للمقاومة او التعويض عن النفس.
ـ تماماً، الاهانة هي اكثر ما آلمني، ان يعتدي علي شخص من دون اي سبب وألا استطيع الرد عليه. وهذا الجرح المبكر الذي لم يندمل ساهم في ادخالي في عزلة مبكرة إذ كنت آخذ كتابا وأذهب الى حرش الزيتون واقرأ وحيدا. مرة اخرى شعرت بإهانة مبكرة هنا في لبنان ابان الهجرة الاولى. شتمت مرة او مرتين بكلمة لا اعرف معناها، بنات لبنانيات في الصف قلن لي "لاجىء". وحين عدنا الى فلسطين اهنت بهذه الكلمة مرة اخرى من فتاة كنا لاجئين في قريتهم، وكان هناك تنافس مدرسي بيني وبينها، وكنت متفوقا عليها، فقالت لي "انت لاجىء"، فإذاً لعنة اللاجىء او شتيمة اللاجىء ليست فقط خارج فلسطين، فداخل فلسطين هناك اللعنة نفسها.
لا يزال حتى الآن هناك لاجئون في فلسطين نفسها.
ـ للأسف، فأنت تجد لاجئا عن بلدته او مدينته احيانا في جوار البلدة او المدينة نفسها، فأن تكون لاجئا بداية هو الا يكون لك بيت تستظله، ان تقيم في خيمة حتى لو كانت هذه الخيمة تبعد امتارا عن بيتك، او ان تقيم في منزل مستعار وموقّت. هاتان الحادثتان، اي الضرب والشتيمة، كانتا من بين اكثر الاشياء إيلاماً في حياتي، وأظن انهما ساهمتا الى حدّ بعيد في تحديد مسار حياتي ووعيي.

الحاسة السادسة

هذا النوع من الهشاشة والضعف هل امدّك بنوع من الحاسة السادسة المبكّرة تجاه معاناة الآخرين، تجاه ضعفهم وهشاشتهم؟
ـ لا استطيع وصف الامر كذلك، لم اعطَ هذا المعنى، كنت اشعر انني انا الهش، وكنت اعالج هشاشتي كما قلت بمحاولة التميز والتفوق في مجالات اخرى. لاحقا صرت اعي ان هذه الاهانات هي في واقع الامر غيرة، وصرت اشعر انهم هم الاضعف، وابتدأ عندي بالتدريج الشعور بان من يظلمك انما هو يغطي هشاشته الداخلية.
اظن ان الشعر جاء في تلك المرحلة.
ـ لم اكن في تلك السن أعي قوة الشعر والكلمات بصورة عامة. كنت اقرأ وأكتب احيانا من دون الانتباه حتى الى انني اكتب شعرا، كان الشعر، كما القراءة، جزءا من عالمي الخاص والحميم. وفي احدى المرات، في ما يسميه الاسرائيليون عيد استقلالهم، اي نكبتنا، طلب الي مدير مدرسة قريتنا دير الاسد إلقاء قصيدة للمناسبة، فكتبت وقتذاك قصيدة من دون ان اعي انها قصيدة، هي في واقع الامر رسالة الى ولد يهودي اقول له فيها بما معناه انك اليوم تفرح وأنا احزن، تعيّد فيما الدموع تنساب من عيني، وانه لا يمكن ان يكون عيدا بالنسبة الي الا حين اشعر بما تشعر به، اي حين يتحقّق لي ما هو متحقّق لك. قرأت القصيدة في الحفل، فإذا بي أفاجأ بعد انتهائي بمختار القرية مستاء جدا، وقال بما معناه "هذا اللاجىء يريد ان يوقعنا في المشاكل"...
اللاجىء مرة اخرى.
ـ الشتيمة نفسها. المهم انني لم اكن ادرك ان ما قلته يمكن ان يعني أحدا او انه شعر.
كان موزونا مقفى؟
ـ اجل. لكن من دون تقصّد كتابة الشعر، كنت اقوم بما يشبه الواجب المدرسي او فرض الانشاء، لكنني فوجئت باستحسان اهالي القرية اي الاناس العاديين، للقصيدة، وكأنها جاءت لتعبّر عن مشاعر مكتومة عندهم. لكن ما فاجأني اكثر هو استدعاء الحاكم العسكري لي وتهديده المباشر لي بالتوقف عن كتابة مثل هذه الاشياء، والا فإن العاقبة ستكون كبيرة، كأن يمنعوا ابي من العمل. عدت الى البيت ولدي شعور مختلط بالخوف على اهلي، وفي الوقت نفسه بأن ما قلته، الشعر، ليس بالامر البسيط، وأنه يمكن ان يزعج حاكما عسكريا الى درجة تجعله يهدّد ولداً مثلي..

محاكاة اولى

في هذه القصيدة المبكرة من كنت تحاكي، من الذي كان مثالك او نموذجك بين الشعراء او الادباء؟
ـ كنت على الارجح متعرفا على الشعر المهجري، والارجح الشعر الاندلسي، اضافة الى الشعر الجاهلي، واذكر انني سحرت بالمعلّقات واول ما طمحت الى كتابته فتيا هو معلّقة شعرية. لم يكن وصلنا بعد الشعر العربي الحديث، السياب او البياتي او شعراء التفعيلة..
لم تكن تعرفت على الشعر العبري؟
ـ ليس بعد، الشعر العبري تعرفت عليه لاحقاً.
من هم الشعراء الحديثون الذين تعرفت عليهم بداية؟
ـ كانوا ثلاثة بشكل اساسي وهم محمود حسن اسماعيل وعبد الوهاب البياتي ونزار قباني وكنا نتصارع في المدرسة حول هؤلاء الشعراء، وكانت الانتماءات السياسية، من يمين ويسار، تنعكس في الانجذاب لهذا الشاعر او ذاك، فينتقل احدنا مثلا من محمود حسن اسماعيل الى البياتي ثم تتعمّق علاقته بناظم حكمت..
ماذا عن نزار قباني؟
ـ نزار قباني كان خارج هذا المعنى، كان فوق التجارب السياسية والحزبية، كان يخاطب مراهقتنا، والمراهقة واحدة سواء كنت يساريا ام يمينيا. فتنني نزار قباني في ان هناك اشياء لا تقال وكان يقولها، اي ان الشعر يستطيع قول كل شيء. علمني نزار قباني ان الشعر ليس له هيبة، يمكن ان تشتغل قصيدة من بنطال، وأن مفرداته ليست مستعصية، وأن ما نعيشه يمكن ان نحكيه ببساطة تامة. فكنت انتقل بين هؤلاء الشعراء الثلاثة الذين ذكرتهم.
تحدثنا عن عالمك الداخلي كطفل، مع المراهقة هل كنت تنظر الى شكلك، هل كنت تجد نفسك وسيما مثلا؟
ـ اعي ان البنات كن يحببنني. كان شعري اشقر، ولكن لم اكن اظن ان شكلي جميل، ولكني كنت احب ان يكون لي حظوة لدى الفتيات، بمعنى انني كنت مثل لعبة البنات، يغنجنني وربما كنت اسليهن لأنني كنت سليط اللسان وجريئاً.
كيف هو شكل الحب في مجتمع قروي محافظ كالذي نشأت فيه؟
ـ الحب كان يتم عبر تبادل الرسائل، لم يكن هناك قصص حب بل قصص وصال، فالرسالة كانت اقرب الى الزواج الرومنسي، وكنا نفكر بالرسالة كثيرا وننشغل بها.. الخ، اما التفكير في الجنس فلم يكن ممكناً..
متى بدأت تفكر بالجنس؟
لدي مجموعة حب اول وليس حبا واحدا، والمطلب الجنسي لم يكن واردا لدي او لدى اصحابي، كنا صغارا ولم يكن لدينا هذا النداء الجنسي الملحّ.
كنت تشاهد سينما؟
ـ كنا نشاهد الافلام الهندية بشكل اساسي وأفلام الكاراتية وافلام فريد الاطرش، الاستاذ وحيد..
هل كان يجذبك عبد الحليم حافظ؟
ـ كثيرا، كما كان هناك احزاب شعرية كان هناك حزبان في الغناء، حزب عبد الحليم حافظ وحزب فريد الاطرش، وكنت متعصبا الى عبد الحليم الى درجة انني كنت ارفض الاستماع الى فريد الاطرش، الآن اجد ان صوت فريد الاطرش وكذلك ألحانه جميلة، لكن وقتذاك كنت متعصبا والتعصب يعمي، ومثلما يصيب الدماغ والعين والقلب يصيب الاذن ايضا..
ماذا عن وجهتك السياسية وقتذاك؟
ـ كنت متأرجحا بين الناصرية والحزب الشيوعي.

عبد الناصر وفلسطين

لماذا عبد الناصر؟
ـ ببساطة لأنه كان زعيم العرب ومنقذ الامة، لكن على مستوى الداخل كان انجذابي الى الحزب الشيوعي الاسرائيلي الذي كان يطرح قضايانا ويدافع عنا كأقلية ضمن المجتمع الاسرائيلي، كنا نعتبره حزبنا والمدافع عنا، وكنا منسجمين جدا في اطار هذا الحزب، من دون ان نكون بعد ايديولوجيين، بمعنى انه لم يكن لدينا فهم بعد للماركسية وطروحاتها.. ولم يكن هناك تعارض بين حبنا للحزب الشيوعي وحبنا لعبد الناصر، وحين حصل الخلاف لاحقا بين الناصرية والحزب الشيوعي كنا مشتتين، كنا ننحاز الى هذا الطرف او ذاك، لكن لم تكن لدينا الحجج التي ندافع فيها عن هذا او ذاك.
لم تأخذ خيارا؟
ـ لا، لم اتمكن من ذلك.
لكنك بقيت في الحزب الشيوعي؟
ـ لبضع سنوات. لكن لم يكن الخلاف حادا، وحين يخطب عبد الناصر كان الجميع يبحثون عن راديو للاستماع اليه، كان الراديو نادرا ايضا.
متى سمعت كلمة فلسطين للمرة الاولى، انت الذي نشأت ضمن المجتمع الاسرائيلي؟
ـ كأقلية كان الاسرائيليون يعاملوننا كعرب، رفضهم واضطهادهم لنا كان على اساس اننا عرب، كان ادراكنا اذا لعروبتنا ومن هنا كتبت "سجل انا عربي" ليس "سجل انا فلسطيني". كنا نعرف ان هناك بلاداً اسمها فلسطين، لكن لم يكن هناك مشروع اسمه فلسطين او كيانية اسمها فلسطين، يكفي ان تقول انا عربي من دون الحاجة الى التعريف "الفلسطيني". بدأت الفكرة الفلسطينية تنمو بعد نشوء منظمة التحرير الفلسطينية
بعد هزيمة 1967؟
ـ وعلى انقاض هذه الهزيمة العربية، كان على الفلسطيني ان ينتبه الى فلسطينيّته وأن يأخذ امره بيديه. لكن الآن انتبه الى ان مجموعتي الشعرية الثانية كانت بعنوان "عاشق من فلسطين" ولا اعرف من اين جاءني هذا التأكيد على الشيء الفلسطيني، خاصة كما قلت لك اننا كنا ننظر الى انفسنا كما كان الاسرائيليون ينظرون الينا كعرب.

سجل انا عربي

"سجّل انا عربي" احدى ابرز قصائدك المبكّرة والأكثر شهرة، هناك من يقول انك لا تحبّ هذه القصيدة وتتمنى لو انك لم تكتبها؟
ـ هذا غير دقيق، مشكلتي ليست مع القصيدة انما مع قارئها، اي ان محمولها "السياسي" والرمزي لا يشكّل عبئا عليّ، لكن المشكلة هي مع القارئ الذي يتعامل معها على انها بطاقة هوّيتي الشعرية، اي ان محمود درويش يعني بالنسبة الى قارئ معيّن "سجل انا عربي" حصرا، ولا يعرّفني حتى الآن الا بها.. وسأحكي لك بصراحة حكاية هذه القصيدة التي تضعها في سياقها الفعلي، فقد ذهبت الى وزارة الداخلية لاستصدار بطاقة هوية او لتجديدها، لا اذكر على وجه التحديد، وكان هناك استمارة على الموظف ملأها وتتعلّق بمعلومات عني، عن مكان سكني وولادتي..الخ، الى ان سألني الموظف "القومية؟" اجبته "عربي"، فعاود سؤالي وكأنما في نبرة السؤال وفي اعادته على هذا النحو استنكار، فقلت له مجددا وكان الحوار يجري بالعبرية "سجّل انا عربي"، خرجت من عند الموظف واعجبني الايقاع فبدأت في رأسي بتدوين القصيدة قبل ان اكتبها على قصاصة ورق في الباص في طريقي الى البيت، وكان بناء القصيدة يشبه الاستمارة، اي صفاتي والمعلومات المتعلّقة بي، لكن الشعر لم يعد اشقر بل بات اسود وباتت كفي "صلبة كالصخر" وبات عدد أولادي ثمانية، كرد على الموظف، اي الذهنية الاسرائيلية، التي يغيظها كثرة اولادنا، حشدت في القصيدة كل ما يغيظ هذه الذهنية صرت اطوّر بطاقة هويتي الشخصية واوسعها لتصبح بطاقة هويّتي الجماعية، وجاء ذلك كلّه بشكل عفوي وعلى شكل ملاحظات سريعة، وكتبتها كخاطرة لا كمشروع قصيدة..
كتبتها على القافية؟
ـ على عدة اوزان وقوافٍ، لكن لم يهمّني ان تكون قصيدة، اردتها صرخة تحد.. تركت هذه القصاصة جانبا ولم اعرها الكثير من الاهتمام، الى ان كان هناك مهرجان شعري في الناصرة يفترض ان اشارك به بقصيدة، ذهبت والقيت قصيدة، ولأني كنت صغيرا، وكما يقولون اليوم هناك مطرب جديد صاعد، كانوا يقولون هناك شاعر جديد صاعد.. يقول كلاما، وكنت أحياناً اصعد المنبر بالشورت، لم يكن هناك علاقة بين شكلي ونصي، بسبب ذلك طلب الجمهور الي القاء قصيدة ثانية ولم يكن لدي، لكن في جيبي نص "سجل انا عربي" فألقيتها، وحدث ما لم اكن لأتوقعه، شيء يشبه الكهرباء شاع في الجو، الى حدّ ان الجمهور طلب مني اعادة القصيدة ثلاث مرّات، يبدو إذاً انني كنت اعبّر عن مكبوت بسيط جدا، لكن غير معبّر عنه..
كان شعورك العفوي حين كتبت؟
ـ تماما، لكن اقولها لك بصراحة من قرّر ان هذه قصيدة هم الناس وليس انا.. هم الذين قالوا لي هذا شعر، انا كنت اسمّيه نصّا قبل ان يشيع مفهوم النصّ، من يومها واينما اذهب يثار هذا الموضوع ويطلب مني القاء هذه القصيدة، وهذا المطلب يتجاهل انني مررت بتجربة جديدة، دخلت مع "العصافير تموت في الجليل" في الغنائية الخافتة "مطر ناعم في خريف بعيد..."
اي ليس الجملة الضاربة، بل النص المشغول
ـ اي البحث عن الشعر.. ولكن هذه القصيدة كانت دائماً بمثابة العقبة، ما يشبه اللعنة.
طاردتك؟
ـ تماماً، هنا في بيروت او في العالم العربي.. فكنت اخاف من ان تشكل عائقاً يمنع القارئ من متابعتي.
لكن رغم ذلك للقصيدة فضل كبير عليك...
ـ لا أنكر ذلك فهي التي عرفت الناس علي، لكن هذا لا يعني ان ابقى، او ان يبقى شعري، اسيرها.

احن الى خبز امي

هناك قصيدة أخرى لا تقل شهرة عن "سجل انا عربي" هي "احن الى خبز امي"، وهي أيضاً بين القصائد التي تطلب باستمرار منك حتى انك في امسية البلمند اخيرا نصبت فخا للجمهور بأن قلت مطلع القصيدة، لكن يبدو ان هذه القصيدة لا تشكّل عبئا عليك..
ـ لا تزعجني، وسر انتشار هذه القصيدة انها غنيت ولو بقيت قصيدة في كتاب لكان التعامل معها اختلف..
لكن هناك قصائد أخرى غنيت، ومع ذلك لا تحوز الشهرة نفسها او الموقع نفسه عند الناس..
ـ هذا صحيح فـ "سجل انا عربي" غنيت مرّات عدة ولحنت سمفونياً، فكانت القصيدة اهمّ من الاغنية.. قوتها كانت في ذاتها وصارت خطرا علي وعلى تطوري اذ ارادني الناس اسير هذا المناخ التعبيري. لكن غناء قصيدة "امي" من ناحية أخرى خدم القصيدة، وعرّف الناس على وجه آخر لي ولعبارتي الشعرية.
لديك مشكلة في تكرار المناخ او العبارة نفسها، هناك شعراء يبقون اسرى التطلّب الجماهيري
ـ هذه مشكلة، وانا اقول دائماً لا احد ينجو من التكرار والا تكون القصيدة فعلا عمل وحي، اي ان الشعراء الانبياء فاتحون خطا مباشرا مع الغيب.. لا احد ينجو من التقليد خاصة في البدايات، حيث لا تكون شخصيته الشعرية تكوّنت بعد، وانا لا ارى خطرا في التقليد، الخطر الحقيقي هو ان يقلّد الشاعر نفسه، اذ ان تقليد الذات خاصة مع بلوغ النضج هو تعبير عن عجز لا عن طموح وعودة الى الخلف وتجمد، تقليد الآخر هو عبارة عن تقدّم وطموح، اضف الى ذلك ان تقليد الذات واع، أما تقليد الآخر فغير واع دائماً، أحياناً تدخل قراءاتك الى نصّك من دون ان تدري حتى..
ليس الشاعر وحده هو المسؤول، فهناك الجمهور الذي يحبس الشاعر في تعريف واحد واطار واحد، وبالتالي يشعر الشاعر انه إذا خرج من هذا الاطار سينتهي، اي ان هناك تواطؤاً بين الشاعر والذائقة العامة..
ـ لكن الذائقة العامة ليست نهائية، انت تصنع الذائقة العامة، الشعراء يصنعون هذه الذائقة ويطورونها ويبدّلون في مساراتها. فإذا لم تضف شيئاً استفزازياً حتى على نصك لن تتغيّر هذه الذائقة. فالذائقة العامة تجاه نص كل شاعر، واتحدّث عن نفسي هنا، اذ هناك علاقة خاصة بيني وبين جمهوري..

هناك توقّع دائم

ـ اذاً انا السيد في التحكّم بهذه الذائقة وواجبي ان اغيّر هذه الذائقة، اما حين نتحدّث عن تغيير الذائقة العامة بشكل عام فهناك صعوبة وتحتاج بالتالي الى حركة شعرية كاملة تساعد على التغيير. لذلك اتحدّث عن علاقة محددة بين شاعر معيّن وجمهور اختاره بشكل حرّ وتلقائي، على هذا الشاعر ان يقدّم باستمرار اقتراحات مقنعة لهذا الجمهور بأنه ما يزال مرتبطاً به، وان العقد بينهما لم يفرط.. انا اخاطب باستمرار جمهوري هذا واقول له "حسنا احترم ما تعرفه، لكن اقترح عليك تغييره، لأن التوقف جمود والجمود موت، انا اكبر في وعيي وثقافتي ومشروعي وفهمي للشعر.. هذا تخصصي ايها القراء وليس تخصصكم، انتم تمارسون مهناً أخرى، لذا اسمحوا علي ان اقترح عليكم شيئا آخر. بالتالي الصدمة مطلوبة دائماً، وقد تستغرب في تجربتي أن كل نص يثير صدمة لدى القارئ بسبب انزياحه بهذه الدرجة او تلك عمّا يعرفه، ثم يأتي نص بعده فتجد القارئ يطالبني بالنص السابق الذي اثار من قبل عنده صدمة، واذا انا اقوم بتراكمات اساسها الحقيقي ان هناك ثقة بيني وبين قارئي. وقارئي ليس واحداً بل يتحوّل، هناك باستمرار قارئ جديد، وانا ألاحظ ان قاعدة قرائي تتوسّع لان النخبة في العالم العربي تتسع بدورها.
في أي حال هذا ما جعل اعمالك الاخيرة تجد قبولا واسعا على الرغم من انها تقوم على ارضية مختلفة..
ـ قد تستغرب انني اليوم اكثر توزيعا وانتشارا، لان النخبة كبرت والقارئ النوعي كثر، ثم انني اقنعت قرائي بأنني في الجوهر لم اتغيّر، لكن انا لدي طموح شعري مستمر، لذلك اقول ان انجازي الاكبر ليس في ايقاعاتي ولا تراكيبي بل في قدرتي على التواصل مع قارئ جديد ومختلف، وعلى ان اصطحب هذا القارئ في رحلتي وطموحي الشعريين، بحيث بات هو نفسه يطالبني بالتطور والتغير المستمرّين. لا اتوقّع بالتالي ان يكون قارئ "سجل انا عربي" هو قارئ "الجدارية"، اصبح هناك قارئ آخر، قارئ "سجل انا عربي" راح وحل محلّه قارئ آخر.
لكن القارئ الاوّل ما زال موجودا؟
ـ بطبيعة الحال اذ انك حين تقول قارئي لا تتكلم عن شخص، فهناك اشخاص تغيروا، هناك اشخاص ترجلوا من القطار وصعد آخرون محلّهم، هناك اناس صعدوا في المحطة الاولى، وغيرهم في الثانية وغيرهم في الثالثة... إلخ.

تقدير

منذ منتصف الستينات بت شاعراً معروفاً في العالم العربي والاعتراف بك وتقديرك الى تزايد مستمر من ذلك الوقت، احب ان اعرف متى بدأ امك وابوك، اهلك وعائلتك، بالنظر اليك بتقدير، اذ يحدث أحياناً ان نكون مقدّرين على نطاق واسع لكن عائلتنا لا تقدّرنا على النحو نفسه، متى بدأت تشعر انك مهم او لك معنى في عيون اهلك بالذات؟
ـ منذ بدأت بدخول السجن، اهلي كانوا يعرفون انني اكتب الشعر واعمل في الصحافة، لكن شعورهم بأن ما اقوم به مؤثر هو حين بدأت بدخول السجن، وحين وضعت في الاقامة الجبرية صاروا يعاملونني كشخص له وزن، ولاحقا صاروا يسمعون شعري في الاذاعات فأدركوا انني شخص مهم نوعا ما، واعتقد انهم بدأوا يقدرونني منذ ذلك الوقت، لكنهم لا يعبّرون بالضرورة عن ذلك.
هل كان لديهم مشكلة بسبب خلفيتهم الثقافية والاجتماعية مع كونك شيوعياً؟
ـ اطلاقا، لم يكن لكلمة الشيوعي معنى ايديولوجي، بل معنى نضالي ووطني.
يتبادر الي الآن اننا لا نعرف الكثير عن دراستك.
ـ انا لم اتلقَ دراسة جامعية، اذ توقفت عن الدراسة في الثانوية، وذلك للاسباب التي ذكرتها وايضا لأنه لم يكن في مقدور ابي تعليمنا جميعا بسبب الكلفة العالية للتعليم في اسرائيل.. بالتالي كان عليّ ان اعلم نفسي بنفسي من خلال القراءات.. والمفارقة انني دخلت الجامعة لاحقا لاعطاء المحاضرات، لكنني لم ادخلها تلميذا.
امك قرأت بالتأكيد او سمعت "احن الى خبز امي" لكننا لا نعرف رد فعل امك عليها
ـ ولا انا، حتى الآن لا اعرف..
لم تسألها؟
ـ ولا مرّة، لا تجيب. لكن اخواتي قلن لي انها تفرح حين اكتب لها خاصة حين اسميها بالاسم كما في "تعاليم حورية". علاقة اخواتي البنات بها مختلفة عن علاقتنا نحن الذكور بها، وهن ينادينها باسمها الاول، رافعين الكلفة معها، وهن يخبرنني انها تفرح كثيرا، لكنها لا تعبّر عن ذلك امامي..
هل تدرك أنها بعد قصيدتك لها باتت أماً استثنائية؟
ـ لا اعرف شعورها، مع انها سليطة اللسان ولاذعة ودمها خفيف، لكنها لا تفصح بسهولة عن عالمها الداخلي.
هل يحزنك انها كبرت؟
ـ لا، كبرت امي في غيابي مثلما كبرت في غيابها، ولا تنسَ أننا لم نر بعضنا قرابة ثلاثين عاما.
اطلاقا؟
ـ كانت علاقتنا مقتصرة على المخابرات الهاتفية، ومرّة رأيتها في القاهرة.
كيف تصف مشهد عودتك بعد هذا الغياب الطويل واستقبال امك لك؟
ـ حرصت لدى زيارتي الاولى لمناسبة المشاركة في تأبين اميل حبيبي على ان يكون دخولي صامتا او متواريا، لذلك ذهبت الى البيت ليلا وقلت لأخي بألا يخبر أحداً انني ذاهب الى البيت، لكن حال وصولي الى البيت ورؤية امي لي حتى راحت تزغرد وكان هذا اشعاراً للبلدة كلّها بأني رجعت.
هل بكيت؟
ـ خبأت دموعي.
على ذكر العائلة الم تفكر في انشاء عائلة، الم تغرك فكرة العائلة والاطفال؟
ـ لا لم افكر ابدا، منذ سن مبكرة وانا خال من هذه الرغبة، لانني اخشى تحمل تبعاتها ومسؤولياتها، هذا من دون ان استعير ابا العلاء المعرّي "هذا ما جناه ابي علي"، اي ليس لدي موقف فلسفي من هذه المسألة، ولكن احساسي الدائم بالقلق واللا استقرار المكاني والنفسي دفعني الى عدم الانغماس في هذه الرغبة، ولست نادما حتى الآن.

دموع

هل بكيت كثيرا في حياتك؟
ـ كثيرا ولا ازال ابكي.
تبكي اي تذرف الدموع ام تخبئها؟
ـ اذرف الدموع.
ما الذي يبكيك؟
ـ اشياء كثيرة، أحياناً حين اشاهد التلفزيون وارى مشاهد الانتفاضة، مشهد محمّد الدرّة ابكاني مثلا. وقد يفاجئك ان الافلام العاطفية القديمة تبكيني.
متى بكيت آخر مرّة؟
ـ قد يفاجئك هذا، لكنني بكيت هنا في لبنان خلال امسية البلمند. فخلال إلقائي المقطع الذي اقول فيه "وانا وقد امتلأت بكل اسباب الرحيل/ فانا لست لي/ انا لست لي" وحين وصلت الى العبارة الاخيرة غالبتني الدموع وفاجأتني ووجدتني ادير وجهي الى الجهة الأخرى لكي لا يرى الحضور ذلك. وهذه ربما هي المرّة الثانية التي ابكي فيها على المنبر، ففي تونس في الثمانينات فاجأني البكاء أيضاً، وبعض الذين كانوا حاضرين تلك الليلة قالوا لاحقا ان هيئة البكاء كانت بادية علي منذ اللحظة الاولى لاعتلائي المنبر. لكن اول بكاء جارف وغزير كان في 1967,.
وقت الهزيمة؟
ـ مع طقس دخول دايان الى القدس. بدا المشهد اكبر من احتمالي ووجدتني منخرطا في بكاء عنيف شعرت معه ان جسدي كله يهتز معه، ولم احسّ بالزمن وهو يمرّ علي على هذه الحالة.
ووقت خروج الفلسطينيين من بيروت؟
ـ كنت في حالة سيلان دموع، كنت اشعر ان رصاص الوداع المنهمر هو دمع أيضاً.
علام بكيت بالضبط، على الهزيمة، على انغلاق الافق؟
ـ لا اعرف سرّ ينابيع البكاء؟ هل هو بكاء على نهاية غامضة ام على بداية غامضة؟ على وداع بيروت ام على نفسي، لكن البكاء جاءني من كل الجهات.
هل تحب الضحك، هل تضحك؟
ـ كثيرا
هل تشاهد الافلام الكوميدية؟
ـ اجل، احب المواقف الضاحكة وليس الاجساد الضاحكة. حاسة السخرية عندي عالية.
تروي النكات؟
ـ احب النكتة لكنني انساها سريعا، استطيع ان اخبر آخر نكتة فقط، وغالبا ما اضجر اصدقائي لكثرة ما ارددها.
تحدثنا سابقاً عن عبد الناصر، هل تشعر ان فكرة الزعامة في العالم العربي انتهت؟
ـ فكرة الزعيم المخلّص او المنقذ قد تكون انتهت، وصرنا بحاجة الى رئيس دولة، لم يعد في الامكان البحث عن رئيس دولة يدير الاحلام الكبرى، بل صار الممكن البحث عن رئيس دولة يدير الدولة.
هل انتهت فكرة الثورة، القائد الثوري؟
ـ صار الفرد هو الثوري وليس القائد وهذا نراه كل يوم، سواء في فلسطين او هنا في لبنان.
هل تهتم بظاهرة العولمة وهل تشعر اننا كعرب معنيين في نقاشها؟
ـ نحن بعيدون عن مناقشتها كمشروع تصدّ لها، لأننا عاجزون عن هذا التصدي، والعولمة لا يمكن التصدّي لها، لأنها شيء يشبه القدر التاريخي، ولا نستطيع ان ننجو من آثارها ومن آثار تاريخها، لا لأننا شاركنا في هذا التاريخ، ولكن لأننا جزء منه.

 

Close
تصميم وبرمجة انترتك - تصوير أسامة السلوادي
بدعم من : اللجنة الوطنية الفلسطينية للتربية والثقافة والعلوم