مؤسسة ومتحف محمود درويش
الشاعر الأعمال الكاملة
المتحف أنشطة وفعاليات الإعلام
ركن الهدايا
مؤسسة محمود درويش
اتصل بنا
En
حوارات »  

السلام جوهر شعري

 باريس- رلى الزين

هذا الحوار مع محمود درويش مفتاح لقول الشعر ولقول فلسطين الآن. والشاعر في باريس هذه الأيام يحضر كزهرة متألقة في ربيع للثقافة الفلسطينية نظمته عاصمة الأنوار وسائر مدن فرنسا الرئيسية، احتفاءً بثقافة فلسطين وتجديد الاعتراف بها.

تحدث عن تجربته في رام الله وصعوبات التنقل، كما فتحت الأسئلة مجالات للحديث عن تجربة بيروت وعن مرحلة باريس وعن تطور صورة الفلسطيني أمام نفسه والعرب والعالم وعن صعوبة قبول المجتمع الإسرائيلي بالسلام.

ولا بد من سؤال عن حال الشعر العربي اليوم: الشعر الفلسطيني الحاضر في الحرب كما في السلام فليس وعد السلام إعلاناً لوفاته كما روج البعض واهماً. وناقش محمود درويش السياسة والشعر وما خلف التساؤلات المتواترة حول علاقتهما. ودخل عميقا في عملية القول الشعري.
عملية السلام طويلة جداً...
هذه عملية طويلة جداً وكل ما يجري الآن، إذا استمر الإسرائيليون في هذا الفهم، ليس أكثر من هدنة مؤقتة. و يبدو أنهم محتاجون إلى أن يبقوا الصراع حياً وأنهم محتاجون إلى إبقاء السلام بعيداً لأن هناك خوفاً إسرائيلياً من فتح باب القلعة كما قلت، وخروج المحاصرين للمحاصرين. صحيح أنهم يحاصرون الفلسطينيين لكنهم محاصرون بالهوية الحضارية الثقافية للفلسطينيين وهي هوية عربية. فهؤلاء المحاصرين للمحاصرين يخشون فتح باب القلعة لأنها ستنفتح على أسئلة تخصهم، تخص ما هو مشترك بين هؤلاء المهاجرين ثقافيا، القوانين المدنية، وكل الأسئلة التي كان يقيمها رفض الآخر لهم. كما عندنا أسئلة الديمقراطية مؤجلة لأن لا صوت لها وتدور المعركة. لكن الفرق بيننا وبينهم هو أن خوفنا ليس مجتمعيا. توجد طبقة سياسية، هنا وهناك في العالم العربي تخشى سؤال الديمقراطية ولكن المجتمع لا يحمل سؤالاً أكثر جوهرية من هذا السؤال.
خوف الإسرائيليين مجتمعي. المجتمع هو الذي أجرى التعديل على أوسلو، فلنكف عن اتهام رابين وعن اتهام نتنياهو بأنه أجرى تعديلاً على أوسلو. الذي أجرى التعديل هو المجتمع الإسرائيلي، بسبب تقصير حزب العمل في الدفاع عن مشروع السلام وبسبب مجزرة قانا وبسبب إرضاء المتدينين والعسكريين. ولم تتواجد مرافعة حقيقية في الحملة الإنتخابية لحزب العمل عن خيار السلام. بالعكس، حصلت المزايدة حول القدس وحول الاستيطان. فالمجتمع الإسرائيلي الحائر والخائف والذي عنده موانع نفسية مرضية تمنعه أن يرى الآخر هو الذي جاء بنتنياهو إلى السلطة. إذاً نحن نحاكم السياسة الإسرائيلية مطالبين بتوسيع نطاق المحاكمة لتشمل أيضاً التساؤل حول صدقية خيارات المجتمع الإسرائيلي خصوصاً أن هذا المجتمع ديمقراطي. المجتمع الديمقراطي أياً كان لا يمكن أن يفرض عليه الحل. العرب هم الذين فرض عليهم الحل وهم الذين يجب أن يقبلوا بالحل. لا تستطيعين أن تفرضي حلا ًأو سلماً على إسرائيل. تستطيعين أن تفرضي ذلك على العرب فقط. يوجد توزيع عمل بحجة أن هذا (المجتمع الإسرائيلي) مجتمع ديمقراطي.
إذاً، نحن نواجه مشكلة ستخص النخبة السياسية الإسرائيلية، ستخص التطور الديموغرافي الذي يجب أن نراقبه بشدة. إسرائيل القديمة التي أنشأها الاوروبيون والاشكناز تصل إلى نهايتها. اليوم توجد إسرائيل الشرقية والروس يحسبون من الشرقيين. هناك انقلاب ديموغرافي يضخ العقلية الإسرائيلية بتجدد للأصولية الايديولوجية. نحن أمام قلعة لا تريد أن تنفتح، وهذا يجعلنا نقول أن السلام حتى الآن ليس سلاماً. وأشك بأن يتحقق سلام حقيقي إلى مدى بعيد لأن كل أبواب ونوافذ القلعة الإسرائيلية تزداد إنغلاقاً. إن وجدت فتحة مؤقتة أيام رابين وبيريز فقد أغلقها المجتمع. هذه مساوئ بابل، وهم الآن بدأوا أيضاً يتساءلون في أن بابل ليست كلها حسنات. تعدد الألسن يصعب تحديد صواب الخيارات عندهم. من يقرر؟
ثم هذا المشروع الإسرائيلي الذي هو ثمين جداً بالنسبة إلى اليهودية العالمية وبالنسبة الى الغرب، هل يترك لهذه الفوضى التجريبية الديموقراطية الإسرائيلية؟ هناك أسئلة كثيرة تجعل إصغاءنا للتطورات في إسرائيل ضرورياً لنا من أجل أن نفهم كيف ندير سواء الصراع أو المفاوضات أو السلام.

من جهة اخرى، ألا ترى أن نظرة الغرب تجاه الفلسطينيين اليوم بدأت تتحول من تعاطف ساد في الماضي ضمن جماعات معينة إلى تضامن أوسع؟

الصورة انقلبت لأن إسرائيل عاشت أكثر من أربعين سنة على قناعة أنها لا تريد من العرب ومن الأرض ومن التاريخ إلا شيئاً واحداً هو السلام. وكانت تطور هذا الخطاب وتغذيه بالموقف العربي السابق منها. الآن انتقلت الصورة وظهر انقلاب الوعي العالمي. الحقيقة برزت والآن اتضح للجميع بأن الجانب الذي لا يريد السلام هو الجانب الإسرائيلي. وبالتالي، تدرج الفهم والإقتراب من حقيقة الأوضاع في فلسطين جعل الغرب وبشكل خاص الأوروبيين، يعرف أن الفلسطينيين هم الضحايا وأن الدول العربية تريد سلاماً بشروط عادلة، أرضاً مقابل السلام، وأن الذين يرفضون السلام هم الإسرائيليون.
هذا أنجز تطوراً كما تحول الإعتراف بالفلسطينيين كبشر وليس كقضية فقط تأتي الوفود من الدول الأوروبية وترى حقيقة الواقع الفلسطيني وتزداد نقداً للموقف الإسرائيلي لأن الإسرائيلي لا يعاملنا كبشر ولكن كل ذلك يحتاج إلى تطور في استقلال الدور الأوروبي عن الضغط الامريكي لأن قيصر الصغير كما أسميه نتنياهو، يضمن الفيتو من القيصر الكبير. إذاً ليست الأرض الفلسطينية محتلة فقط، بل الوعي العالمي محتل أيضاً والإرادة العالمية، الإرادة الأوروبية محتلة من قبل الإخضاع الإسرائيلي المحمي أميركياً. يوجد تطور معنوي ثقافي سياسي. لكنه يحتاج إلى إجراءات وإلى وسائل للضغط. وهناك نظريتان: نظرية تقول أن علينا ألا نضغط على إسرائيل وأن نعطيها كل ما تريد من ضمانات وأمان لأن الضغط عليها سيجعلها في موقف عدواني واستفزازي سيجعل النرجسية الإسرائيلية أنياباً وأظافر. وبالتالي إسرائيل تتمادى في تثبيت وقائع جديدة وفي جعل السلام مستحيلاً. وإسرائيل تقول بأن إسرائيل الولد المدلل لا يخاطب فقط بالحلوى. يجب أن تمارس عليه الضغوط لكي يعرف مصلحته. وعلى العالم أن يقوم بالدور التربوي تجاه هذا المستشفى. المستشفى السياسي والمستشفى التوسعي الذي اسمه الوضع الإسرائيلي الحالي.

ألا ترى أن السياسة الفرنسية مع جاك شيراك تحاول تحريك الموضوع في اتجاه أفضل؟

لا شك أن لفرنسا موقفاً متميزاً في الحقبة الحديثة. من ديغول إلى الإشتراكيين إلى شيراك. وعلى رغم أن ميتران كان ينظر إلى إسرائيل نظرة ثقافية، أي كان للموقف الإسرائيلي في ثقافته موقف أخلاقي إلا أنه كان يقدم رسمياً خطاباً متوازناً.
السياسة الفرنسية تجد ترحيبا في الحياة العربية وتحظى بتقدير كبير ولكن لا يجب أن تنوب فرنسا عنا كمجموعة عربية في الضغط على إسرائيل لأن الحالة العربية في هذه اللحظة تبدو كأنها تطلب من شيراك أن يكون رئيس القومية العربية أو معبّراً عن القومية العربية. شيراك لا يستطيع أن يقوم بهذا الدور ولا يجب أن نطلب منه أن يقوم بهذا الدور. نحن في حاجة إلى موقف عربي يقترب من الموقف الفرنسي في بعض الدول العربية التي لا يمكننا تسميتها لأنه كما نلاحظ الصورة حاليا انفض الحد المشترك العربي تجاه اسرائيل للأسف. وإذا كان يوجد خلاف بين دولة صغيرة وجارتها فإنها تسعى لحماية أمنها من خلال علاقة خاصة بإسرائيل. فماذا يستطيع السيد شيراك أن يفعل؟ هناك مشروع عربي للسلام رسمي، لكن هذا المشروع موجود في أدراج الجامعة العربية وفي أدراج كل رئيس. لو أن نجد تطبيع عربي-عربي، ولو أن نجد سلام عربي –عربي لذهبنا إلى سلام أقوى. إسرائيل تستفرد بنا وتقيم سلاماً متفرقاً مع كل طرف على حدة. وكما قلت منذ مدة لو ذهبنا إلى السلام كوفد واحد من ناحية الاستراتيجية والتصور فحتى سؤال التطبيع سيأخذ منحى أخر.

فرنسا تستقبل اليوم الثقافة الفلسطينية بكل جوانبها وهذا يحصل للمرة الاولى في العالم. ما تعليقك؟

من مزايا السياسة الأوروبية وبشكل خاص السياسة الفرنسية أنها ذات منظور ثقافي وليست براغماتية بلا تاريخ بلا ذاكرة ثقافية بلا بعد ثقافي. صحيح أن هذا الاحتفال هو أول إعتراف أوروبي بوجود ثقافة فلسطينية. انتقل الاعتراف من اعتراف سياسي نوعي هو الاعتراف بالثقافة الفلسطينية. صحيح أن بعض الساخرين والنقاد العرب قد يقولون أن هذا أيضاً تعبير عن تعاطف سياسي. لم لا؟ الأساس في النظرة أن شعباً لا يعترف بثقافته ولا يعترف بهويته لن يعترف به سياسياً اعترافاً حقيقياً وبعمق. وارد وان تنتقل القراءة الفرنسية إلى الثقافة الفلسطينية من شرط إيجابي جداً وهو الاعتراف بالشعب الفلسطيني إلى قراءة جمالية وأنا أعتقد أن بعض الفرنسيين بدأ يقرأ بعض الأدب الفلسطيني قراءة أدبية. ولذلك هذا حدث ليس عادياً. أن تحتضن أهم دولة أوروبية ثقافياً على الأقل وأهم دولة أوروبية ذات نزعة استقلالية وذات جناحين على المتوسط وعلى الأطلسي. هذا النوع من الاعتراف النوعي يعتبر تطوراً كبيراً في تاريخ الثقافة الفلسطينية وفي تاريخ الصورة الفلسطينية في العالم.

لنعد إلى الشعر قليلاً. أنت شاعر عربي وأنت شاعر المقاومة الفلسطينية بامتياز. كيف تقوم موجة شعر المقاومة فنيا وكيف تقوم تأثيرها على جيلين من الشعراء العرب واكبوها وانفعلوا بها خلال السبعينات والثمانينات؟

أنا اقرأ كلمة بامتياز كرشوة، رشوة سؤال. السؤال نفسه يعرف أنني لست أسير هذا التعريف وبأنني قدمت تحفظاتي على تضييق المصطلح قبل أكثر من ثلاثين سنة. ونشاطي الشعري دائماً يحاور هذا المعنى محاورة سلبية ليضعه في أفق أوسع. مفهوم المقاومة الثقافية ليس مفهوماً ضيق المجال. في الكونية الحالية الكونية الثقافية تتطور آليات الدفاع عن هوية الأطراف وثقافتهم. فإذا للمفهوم مستوى ثقافي اعلى من المساحة الجغرافية التي يريد السؤال أن يحاصرني فيها. وكلمة مقاومة ثقافية ليست سلبية إلى هذا الحد لا بالمعنى الثقافي ولا بالمعنى الجمالي أما إذا حاصرنا ثقافة المقاومة بمعنى واحد هو مقاومة احتلال محدد في أرض محددة فهذا يصبح خارج بحثنا. كل الثقافات الوطنية ثقافات الأطراف ثقافات الشعوب المغيبة هي ثقافة مقاومة الإنكار مقاومة وضع دفعها إلى خارج التاريخ. وكل ما تريده ثقافة المقاومة هو أن تدخل في التاريخ وأن تبرهن على أن التاريخ الانساني ليس موحداً وأنه يتألف من أزمات انسانية. في هذا المعنى يصبح مفهوم أدب المقاومة مفهوماً أرقى من حصره بمساحة جغرافية وزمنية محددة. أما كيف تم التعامل مع هذا المصطلح والمفهوم فالمشكلة أن الاحتلال الإسرائيلي للأرض العربية احتلال طويل وهو ليس موسماً كما جرى لفرنسا في وقت ما. ولا يوجد أي مواطن فرنسي ولا ناقد ولا صحافي فرنسي يحاكم الثلاثة الكبار، اراغون الذي يعاد الاعتبار له الآن وبول ايلوار ورينيه شار على أنهم دافعوا عن وطنهم. فأنا شديد السعادة بأنني لم أنسلخ عن واقعي ولم أخرج من تاريخي أو من شرط تاريخي. وواجب شعري قادم ليس عن التزام خارجي بل ناجم عن معايشة وجودية خاصة في أنني أقاوم الظلم وأقاوم محاولة الهيمنة على شعبي وعلى تاريخ بلدي فأنا سعيد بأن هناك جيلين لهما هذه العلاقة بذاتهما وبواقعهما وبشعبهما وبمجتمعهما. أما ماذا يبقى من هذا الشعر فهو سؤال يطرح على أي مجتمع اخر. ماذا بقي من شعر الفرنسيين الثلاثة الكبار الذين ذكرتهم؟ بقي كل شيء. هذا دخل في الحضارات في تراث الأدب وفي تراث الشعر الفرنسي وهي صفحات مشرقة في تجارب هؤلاء الشعراء الثلاثة وغيرهم. ما كان شعرا في شعرنا سيعيش وما لم يكن شعراً في شعرنا لم يكن أصلا يعيش أصلاً. وهذا ينطبق على أي شعب وعلى أي لغة. كلما جرى تطور ما أو تغير ما على القضية الفلسطينية أقرأ بعد ساعات من توقيع اتفاق، مرائي للأدب الفلسطيني أن الأدب الفلسطيني سقط وانتهى هذا المعيار لم يطبق على أحد سوانا ولا يرى الناس في ما جرى للفلسطينيين الآن إلا امكانية وفاة محمود درويش شعرياً. إذاً هذا هو قصدهم أن السلام يموتني فأنا أقول لا السلام يعيشني لأن السلام جوهر شعري جوهر أي شعر انساني. ليس السلام بمعنى دولتين تتحادثان بل سلام البشر مع بعضهم، سلام الذات مع الذات سلام الذات مع الآخر سلام الذات مع الطبيعة سلام الرجل والمرأة سلام الحب. هذا هو المضمون الحقيقي لأي شعر بغض النظر عن ما كانت شرارة اطلاقته الأولى.

فور انتقال الواقع العيني عن طريق الحواس إلى لغة ينتج عن ذلك واقع ثالث مستقل عن الواقع الأول هو واقع النص الأدبي. والموضوعات الأدبية هي أربع أو خمس موضوعات. الحب الحرية الموت... وهذه هي موضوعات الأدب الفلسطيني كما هو الأدب اللبناني وموضوعات الأدب النيكاراغوي، لماذا كل ما حصل تطور سياسي في القضية الفلسطينية يطرح السؤال: إلى أي درجة سيتمكن الأدب الفلسطيني أن يعيش أو لا يعيش؟ طبعاً يوجد أدب فلسطيني رديء ولكن يوجد أدب لبناني رديء ويوجد أدب فرنسي رديء جداً. ما هي المشكلة؟ الرداءة ليست حكراً على الفلسطينيين والجودة ليست حكراً على من يعتقدون، عرقيا، أنهم أرقى من الفلسطينيين سواء كانوا يهوداً أو طائفة أخرى عربية.

ألا تشعر أن جرعات السياسة تجاوزت المعقول في شعرنا العربي المعاصر؟

الجرعات السياسية تجاوزت المعقول في الستينات والسبعينيات فقط وفي العقدين الآخيرين أصبح هناك تجاوز للمعقول في الحساسية المفرطة ضد السياسة وكأننا انتقلنا من التعامل مع واقع عبر عنه المستوى السياسي أكثر مما ينبغي إلى هروب كامل من الواقع خوفاً من أن يلتقي بالسياسة. الظاهرة الحالية هي ظاهرة معاكسة لكنها متوازية بالسوء أيضاً. كل اقتراب من الواقع فيه اقتراب من المستوى السياسي. لم لا؟ أين المشكلة؟ المهم كيف يعبر عن ذلك. كيف تحمى جماليات القصيدة من الزائل الراهن.
ليس هناك واقع من دون مستوى سياسي، وهذا العداء للسياسة هو سياسة، هو خيار سياسي. هذا الكم من العداء للمستوى السياسي في النص أو في الواقع هو انعكاس لسياسة أكثر رجعية. ومن جهة أخرى السياسة تحمي النص الخاوي من السقوط السياسة لا ترفع النص الخاوي من الشروط الفنية إلى نص باق كما أن اللاسياسة لا تحمي النص الخاوي من أي قيمة جمالية. قلت سابقاً أن السياسة ليست هدف أي شاعر بل العتبة هي هدف الشعراء. العتبة بين الغرفة الداخلية وبين الشارع. بعد ذلك وفي جميع الحالات أي نص من دون قارئ ليس نصاً. شرط حياة النص هو القارئ فهو حامي النص وكاتبه الثاني. السياسة ليست انتخابات ومعارك نيابية. هذا أحد أشكال التعبير عن السياسة هذا سياسة حزبية. لكن السياسات هي طريقة الاصغاء للواقع للتاريخ. وإذا أغلقنا ذلك نقع في الظاهرة التي نراها الآن وهي أن النص أصبح من دون قارئ. فليحتفل الشعراء إذاً بعزلتهم. وإذا كانوا يحتفلون بالعزلة لماذا يكتبون؟ وفي رأيي الشعر بلا قارئ ليس شعراً الشعر يحمل شيئين: فيه لحظة تاريخية هي لحظة تكون النص ولحظة تاريخية أي إنه يقرأ خارج اللحظة التاريخية التي كتب فيها. في لحظة تاريخية أخرى. هذا هو الشعر هذا هو تعامل الشعر مع لحظته التاريخية والسياسية، ما هي السياسة؟ هي مشروع تغيير العالم والواقع وكل شعر هو مشروع سياسي. ما معنى أنني أريد أن أغير العالم؟ منذ الرومانسيين لغاية اليوم يقال أن الشعراء يريدون تغيير العالم. هذا مفهوم سياسي بالمعنى العميق للكلمة بالمعنى النوعي للكلمة.
هكذا أفهم السياسة. وليس أن محمود درويش شعره سياسي يحكي عن فلسطين إذا شعره سياسي فنرميه.
أنا لا أفرض نصي على القارئ. القارئ هو الذي يحمي نصي وكل مرة أتمرن على نفسي أطور نفسي وأجدد طريقة الاصغاء للزمن.
إما أنه لا يوجد عندنا شعر رديء طبعاً يوجد عندنا شعر رديء. أي بلد طاهر من الشعر الرديء؟ وشرط الشعر أن ينوجد شعر رديء أيضاً. فكيف يمكن للذاكرة الانسانية أن تتحمل هذه الكمية من الشعر لو أنه كله جيد؟ في عصر المتنبي، إن وجد ألف شاعر. بقي المتنبي وبقي أبو فراس الحمداني. ليس من الضروري أن يكون عندنا هذه الكمية من الشعراء. هناك شعوب تعيش بسعادة تامة من دون شعر.
لكن العرب يحبون الشعر.
هذا كلام غير صحيح. هذه خرافة قديمة. الآن لا ليس عندنا تفوق. لننس اسمين الشاعر الثالث من حيث التوزيع يطبع ألف نسخة وتبقى الكمية خمس سنوات. أن نقول بأننا أرقى الشعوب حباً بالشعر كلام غير صحيح. تساوينا. وهذا شيء جيد. لأنه إذا كان التعبير الثقافي الوحيد عن أنفسنا هو الشعر فهذا دليل تخلف اجتماعي. التطور الاجتماعي يخفف الإصغاء للشعر ولكن هل نحن نتقهقر في الشعر ونتطور في أشياء ثانية؟ هل بدأنا ندخل في التكنولوجيا؟ هل علاقتنا بالتطور التكنولوجي، كمنتجين ومستهلكين، هي التي جعلت الشعر يتقهقر أم الاعلام الرديء أم التلفزيون أم الشعر الرديء السائد؟ الشاعر العربي السائد الآن هو رديء اذا حاكمناه بمقاييس كمية. والتنظير له رديء أيضاً. هذا الذي خلق القطيعة بين القارئ والشعر لأن القارئ لم يعد يميز بين الشعر وبين النثر لم يعد يميز بين الشعرية والشعر لم يعد يميز بين النص والنص الثاني. وهذه ليست شكواي، هذه أحد أسباب القطيعة بين الشعر والقارئ، ليس هناك تواصل بين العقيدة والقارئ وليس هناك تواصل في حركة المعنى، في عناصر القصيدة نفسها. وأظن أن الشاعر من دون تواصل يكون مجنوناً.

بما أننا نتكلم حول الشعر والكتابة، ألا تنوي نشر ديوان جديد قريباً؟

أنا عاكف على كتابة عمل، ولست مستعجلاً لإنجازه لأنني كلما كتبت فيه كلما يفتحني على حياة جمالية أخرى ويفتحني على قلق. أعمل عليه منذ أكثر من سنتين. عندما أرضى عنه عندما يأخذ شكله النهائي عندما اقرأه مخطوطاً وأرى أن غيري كتبه سأكون سعيداً به وأنشره. أما عندما اقرأه وأجد أنه يشبهني كثيراً فلن أنشره لأن ذلك سيكون تكراراً وأنا لا أريد أن أكرر نفسي.

وهكذا تعمل دائما؟

هكذا أعمل دائماً. هناك قوة تدريب ضرورية لدى أي شاعر ليحمي نفسه من إغراء التقليد. توجد نصوص فيها جاذبية التقليد. فيها إغواء. والكتابة كلها هي إختلاط نصوص وهي كتابة على كتابة.
ليست هناك بداية للأدب ولا نهاية. ولكن، أهم شيء أن يحقق المرء شخصية صوته الخاص وأن يكون هذا الصوت مسكونا بما يضيف إلى الكتابة السابقة. وهناك تقليد أخطر وهو أـن يقلد الشاعر نفسه. إذا كان لا بد من أن يقلد فمن الأفضل أن يقلده غيره لأن نص غيره أفضل من نصه. كمية النصوص الانسانية الضخمة موجودة بكثرة ولا يستطيع الشاعر إلا أن يعيد قراءتها وتأملها. الشيء المطلوب أن نتأثر لا أن نقلد. وإذا كان لا بد من بقاء هذه الغريزة حية فليقلد الشاعر غيره لأنه إن قلد نفسه فهي مصيبة أكبر.

ما هي النصوص التي تعيد قراءتها؟

نصوص كلاسيكية.

مثلا؟

الأدب الإغريقي شكسبير: سرفانتيس دائماً، التراث العربي طبعا جدي أبو الطيب المتنبي ...وأنا شديد الإعجاب بالتجربة الشعرية الانسانية في القرن العشرين. أنا من الذين يعتقدون أن العصر الذهبي للشعر الانساني هو القرن العشرون لأنه ينادي اللغات والشعريات العالمية في كل لغة ثورة حقيقية حققت في الشعر وخلقت حساسيات كونية جديدة سواء أخذنا الشعر الانكليزياً والفرنسي أو الإسباني أـو اليوناني أو الروسي فهذا العدد النوعي من الشعراء لم يكن في أي قرن. صحيح أنه ليس عندنا شكسبير ولا دانتي ولا هوميروس، لكن هذا العدد النوعي لم يتوفر في أي قرن. لذلك هذا هو العصر الذهبي للشعر على رغم كل شكوانا بأنه عصر سيادة العقل على الروح و عصر سيادة التكنولوجيا وعصر الآلة وعصر الحروب العالمية. ولكن كل هذا رافقه مستوى من التطور الشعري لم يشهده أي عصر اخر. بالتالي يودع المرء هذا القرن وهو سعيد شعرياً بأنه منتم إليه.

Close
تصميم وبرمجة انترتك - تصوير أسامة السلوادي
بدعم من : اللجنة الوطنية الفلسطينية للتربية والثقافة والعلوم